لن يسقط .. سينفجر ويزول .. بقلم: علي عسكوري

aliaskouri@gmail.com

ليس عنوان هذا المقال تثبيطاً للهمم، بل هو محاولة من واقع معرفتى بالدولة الدينية لتقديم قراءة للطريقة التى سيزول بها نظام الإنقاذ المتسربل بالدين. من واقع بحثى فى تجارب دول دينية مسيحية او إسلامية قديمة وحديثة فنظام الإنقاذ لن يسقط بالطريقة التى ألفها السودانيون فى إكتوبر وإبريل، بل سينفجر من داخله حتى يحيل سدنته ومكوناته الى شظايا ورماد تتطاير وتتناثر كما تتناثر حمم البركاين. تلك هى الطريقة الغالبة التى يختارها سدنة الدولة الدينية لنهايتهم ونهاية حكمهم من واقع البنى التى يؤسسون عليها أنظمة حكمهم، إذ لا تترك لهم طريقة غير الإنفجار، لأن عقولهم مصممة by default على إتخاذ العنف وسيلة لبلوغهم السلطة ووسيلة ايضاً لخروجهم منها. وما خيّر سدنة الدولة الدينية بين أمرين إلا إختاروا أسوءها وأكثرها عنفاً ودماراً.

الآن لم يعد بمقدور قادة النظام التصرف، فلا هم قادرين على حل الأزمة السياسية بالجلوس مع القوى الأخرى لإيجاد مخرجاً للبلاد، كما لم تعد لديهم إمكانية لقمع الشعب الثائر رغم القتل وسفك الدماء المستمر الذى يمارسونه ، معتقدين أن القتل سيكون كافياً لقمع الثورة وما دروا أن الشعب كسرحاجز الخوف وتجاوزه كثيراً ولم يعد الموت فى سبيل إنجاز التغيير يشكل رادعاً للشباب الثائر كى يتراجع.

فى سبيل بلوغ السلطة جمع حسن الترابى فى دولته التى أسماها الإنقاذ كماً هائلا من المتناقضات، بعضهم إنخدع بشعاراته الدينية فارسله الى إتون الحرب كوقود وثمن لإستخراج البترول، وبعضهم جاء بغريزة حب السلطة فمكنه الترابى منها وترك له الحبل على الغارب ليفعل ما يريد فى خلق الله الذين أمّره عليهم، والبعض الآخر جاء بغرض المال ففتح له الترابى كامل أصول الدولة فحولها لمصلحته وباعها نهاراً فى (سوق الله أكبر)! تلك كانت هى المكونات الرئيسة لدولة الترابى. بالطبع هناك اخرى أقل أهمية بكثير من هذه لم يكن الترابى يأبه بها، لأنها لم تكن تهدد موقعه فى القيادة. ظلت هذه المكونات الثلاثة تتفاعل منذ سنين الإنقاذ الأولى، وكنتيجة للتناقض البائن بين أهدافها – دين، سلطة ،مال- كانت أحياناً تتعامل مع بعضها البعض، وأحيانا تتآمر ضد بعضها البعض وفى أحيان أخرى تتقاتل بطريقة الضرب تحت الحزام والتصفيات والغدر.

طوال سنيين حكمه (1989 -1999) بذل الترابى جهوداً مضنية للموائمة بين المتناقضات التى جمعها تحته، وقد اعيته الحيلة واضنته، فلقد كان هو نفسه متناقضاً. وكثيراً ما وظف الترابى المجموعات ضد بعضها البعض، حيث كان همه الاساسى ألا يتحد مكونيين أثنين لأنه كان يعلم أن فى ذلك خطورة شديدة على موقعه كزعيم فرد.

مع إستخراج البترول وعجز الترابى على اللعب على المتناقضات، توحدت مجموعة السلطة ومجموعة المال فأطاحت به ورمته بالخارج، وكالت له من التهم ما كالت، وأصبح عاجزا يصرخ من الخارج معترضاً حتى كاد أن يكلفه ذلك الصراخ حياته.

وفّرت عائدات النفط متسعاً للمجموعتين التين إتحدتا واطاحتا بالترابى، إذ كان فى العائدات ما يكفى لجماعة المال ليشغلها، كما أتاح لأصحاب السلطة الفرصة لتوسيع جهاز الدولة لإرضاء الكثيرين. لذلك بداء وكأن الوضع الذى جاء بعد طرد الترابى متناغما ومنسجماً ومتماسك.

بإنفصال الجنوب وتراجع عائدات النفط فقدت جماعة المال الكثير من إمتيازاتها التى تعودت عليها وضعف وضعها وتقهقر، واصبح كسب المال يعتمد اساساً على الموقع فى السلطة. لذلك إنتشر الفساد فى جهاز الدولة خاصة المستويات العليا، ورغم أن ” السامرى” غض طرفه عن ما يجرى من فساد، إلا أن تراجع الموارد الماليه إضطره لتقليص العائد المادى من مواقع السلطة، وأحيانا إضطر لتقليص دولاب الدولة نفسه، وبذلك وجه ضربة كبيرة لعدد ممن كانوا يعتمدون على مواقعهم فى السلطة لكسب المال. وهكذا أحال السامرى عدد غير قليل من المجموعتين ضده، لذلك لم يعد لكثير من أعضاء المجموعتين الذين تضررت مصالحهم مصلحة فى بقاء النظام إذ لم يعودوا مستفيدين منه، بل عمد عدد غير قليل منهم للإنتقام من النظام وفضحه بتسريب وثائق كثيرة عن فساد قياداته.

فى كل ما فصلنا، لم تكن المجموعات الثلاثة مهتمة بما يحدث للشعب السودانى، فهو من وجهة نظرها “غنيمة” يستخدمونها للحروب فى الجنوب وغيره للحصول على الموارد او للمتعة الحسية فى تعدد الزوجات وغير ذلك، او يتخذون من الشباب مستودع للعمالة الرخيصة لشركاتهم التى تكاثرت وتوالدت كالخلايا السرطانية.

تشابهت ممارسات الترابى والسامرى فى أمر فى غاية الأهمية. بالنسبة للترابى قاد لطرده من السلطة، أما السامرى فسيقود قريباً لإنفجار الأمر فى وجهه. إتخذ الترابى من الحركة الإسلامية قناة يمرر من خلالها ما يريد، وكانت سطوته عليها مطلقة. وبإختصار كان يفعل بها ما يريد. وعندما بلغ بها السلطة، رماها جانباً كما ترمى قشرة الموز، وبذلك مهد او سهل لإقصائه من الملعب. أما السامرى فقد إتخذ من ما يسميه المؤتمر الوطنى ايضاً قناة يفعل بها ما يريد. يجمعه عندما يرغب، ويلغيه عندما يريد. يتخذ كل القرارات الإستراتيجية فى الدولة خارجه او منفرداً. ولضمان السيطرة عليه جعله حزباً يعتمد بالكامل على تمويل الدولة. وبدلاً من أن يبنى السامرى حزباً سياسياً ينافس به الأحزاب الأخرى ويسنده فى الأزمات السياسية، بنى مجموعات عديدة من المليشيات والتنظيمات العسكرية متخذاً من القمع المفرط وسيلة وحيده لنظامه.

الآن أتضح انه لا يوجد حزب ليحمى دولته بعد أن تقلص الصرف على الحزب نتيجة لتقلص الموارد، وأن السامرى غير مرغوب فيه من المليشيات، وبالطبع ظل مرفوضاً طوال عهده من الشعب. يضاف لذلك ان الجيش الرسمى أدار له ظهره بعد أن كرر له الإساءة والإحتقار وتفضيله المليشيات وقادتها عليه. وهكذا إكتملت مكونات الإنفجار القادم. شعب غاضب وثائر أرهقه وافقره طول الإستغلال باسم الدين، خرج ثائراً يمارس ضغطا لا حدود لها على السلطة ويقدم التضحيات الجسام من أجل ازالتها، مليشيات تتلمظ متحفزة وجيش تائه إهتزت ثقته فى نفسه كثيراً.

ومع تصاعد ثورة الشعب وإزدياد ضغط الشارع وتوقف شبه كامل لدولاب الدولة وخوف أو تردد قادة الجيش فى الفعل، سترتفع بالضرورة تطلعات قادة المليشيات وتزداد أطماعهم فى موقع القيادة الشاغر، والراجح أن يجد أحدهم الجرأة ليتقدم ليشغله. ما سيحدث بعد ذلك لا يحتاج لتفصيل منى!

عن طارق الجزولي

طارق الجزولي

شاهد أيضاً

الثور في مستودع الخزف!

مناظير الخميس 26 يونيو، 2025مِن سخرية الأقدار أن الانقلابي عبد الفتاح البرهان سيشارك في مؤتمر …

اترك تعليقاً