بسم الله الرحمن الرحيم
لقد ظل الشارع السوداني منتفضاً منذ نيف وشهرين، غير مكترث لهموم أكل العيش وللقضايا الحياتية الأخرى، ومضحياً بالنفس وفلذات الأكباد، ومسترخصاً الروح التى ما انفك يزهقها جلاوزة البشير بدم بارد في قارعة الطريق وبدهاليز أجهزة الأمن و”بيوت أشباحه” – في سبيل توضيح رأيه الرافض للنظام الإخواني الحاكم، والداعي لإحلاله بديمقراطية كاملة الدسم؛ وبالفعل ظل شعب السودان يردد الهتافات المعادية للطغمة الحاكمة آناء الليل وأطراف النهار بكافة المدن والقرى السودانية. ولقد تجاوبت جهات عديدة من كافة أركان الدنيا مع أهل السودان الثائرين – أصدقاء الشعب السوداني مثل نائبة رئيس مجلس اللوردات البريطاني البارونة كارولين كوكس، وبعض الدوائر التقدمية والجهات الغربية الأخرى، بالإضافة لقناة “الحدث العربية” والحرة الأمريكية وعدد ضئيل من القنوات الأخرى، مع غياب شبه تام للإعلام العربي، بل وقوف متهالك مع نظام البشير الطغياني من جانب النظامين القطري والمصري، وهكذا اتفق نظامان يقفان على طرفي نقيض في كل شيء آخر، إتفقا على خذلان الشعب السوداني ودعم جلاده المترنح، كأنهما يبتغيان الإنتقام من الكادحين السودانيين لأسباب دفينة لا يعلمها إلا الله.
وبناء على هذا التضامن الذى وجده البشير من النظامين المذكورين، وفي ظل الصمت المريب (إن لم يكن التواطؤ والدعم لنظام البشير من تحت الطاولة) من جانب باقي الدول العربية ذات الشوكة والوزن والاستثمارات الزراعية والصناعية في السودان، ظل البشير يفتك بالشباب المنتفض بشوارع المدن السودانية (ستين شهيداً حتى اليوم) برغم شعاره المعروف: “سلمية سلمية”. وظل الرئيس السوداني يناور ويتثعلب ويكر ويفر ويتقلب ويتقعر ويتفيقه ويخطب بسبب وبلا سبب ويلف ويدور – مصراً على السناريو الذى رفضه الشارع السوداني، بما في ذلك أطراف مؤثرة من الحركة الإسلامية الحاكمة نفسها، ذلك السناريو الذى يهدف لتعديل الدستور بحيث يستطيع البشير أن يترشح للمرة الرابعة لرئاسة الجمهورية، ولتجميد حركة الوطن برمته داخل “ديب فريزر” بانتظار انتخابات 2020 التى يعلم البشير، كما يعلم خصومه، أنه سيقوم بتزويرها وتحقيق الفوز الكاسح فيها.
وفي هذا السياق، جاء خطاب البشير في مساء الجمعة 22 الجاري بالقصر الجمهوري مخيباً للآمال، ولم يحمل سوى الإصرار على الإستمرار في الحكم رغم رفض الشارع له، مع إطلاق وعود هلامية خاصة بالحوار الوطني؛ ولقد كان الجميع ينتظرون خطاب تنازل عن الحكم وتسليم الأمر لهيئة أركان القوات المسلحة، على الأقل، لتقوم الهيئة بتكوين حكومة انتقالية تكنوقراطية بعد التشاور مع ممثلي الشارع المنتفض – التجمع النقابي والجهات المعارضة الأخرى المعروفة. ولكن البشير أضاع هذه الفرصة التاريخية، وتراجع عن القرارات التى كان قد سربها صلاح قوش مدير جهاز الأمن – وهي بالتحديد استقالته من رئاسة المؤتمر الوطني وحل المجلس الوطني، ويقال إن ذلك تم في اللحظات الأخيرة، بعد تدخل من “الإخوان” القطريين.
ومن الواضح أن الجيش غائب تماماً عن أي معادلة مطروحة هذه الأيام، إذ أنه بقضه وقضيضه في جيب عمر البشير؛ ولا غرو، فلقد عمل تنظيم الإخوان المسلمين منذ تسنمهم السلطة في 30 يونيو 1989 على تنظيف الجيش تماماً من الكوادر الوطنية، وعلي إعادة بنائه من القاعدة للقمة بمنسوبي ذلك التنظيم المؤدلجين، بل والمتطرفين الذين ليس لهم شبيه إلا شراذم الدواعش والقاعدة وبوكو حرام؛ وها قد جاء ذلك الغرس بأكله في اللحظة الحاسمة، وها نحن في شهرنا الثالث للإنتفاضة ننتظر تدخلاً من الجيش لصالح الشارع كما حدث في أكتوبر 64 وأبريل 85، ولا حياة لمن تنادى. إذن، ما زال البشير يستند على ثلاث ركائز يستقوى بها على شعبه ويتمادي في صلفه وتحديه للشارع المنتفض: الجيش المدجن، والنظام القطري المدفوع بتنظيم الإخوان المسلمين الدولي، ونظام السيسي التائه المتخبط والمتكالب والذى “لا يعلم أين فسي الحوت”، والذى لا يبصر في شاشته المشوشة سوى “مية النيل”؛ (ومن آيات وقوف نظام السيسي مع نظام البشير إرسال شحنات إغاثة للخرطوم من القمح المسرطن المرفوض من أجهزة الرقابة والجودة المصرية نفسها، وقيل إنه كان قد جاء لمصر هدية من روسيا.)
وفي حقيقة الأمر، لا يعتمد البشير وطغمته على دعم الدولتين المذكورتين فقط، إنما يراهنون على حالة الكساح والضعف التى يمر بها العالم العربي بأكمله، وحالة الجزر والتراجع أمام الهيمنة والتدخلات الإمبريالية، في هذا المفصل التاريخي من حياة الشعوب العربية. ولقد استمعت صباح السبت 23 الجاري لمقابلة ثرية ومنعشة مع الأخضر الإبراهيمي الدبلوماسي الجزائري المعروف بقناة RT الروسية قال فيه الآتي:
(كان هنالك شيء إسمه “النظام العربي” حاملاً لتبعات المقاطعة لإسرائيل ومسؤولية الدفاع عن الحق الفلسطيني في استرداد أراضيه المسلوبة وإقامة دولته الحرة المستقلة، ولكن ليس هناك نظام عربي اليوم، وليس هنالك جامعة عربية ذات قيمة، إنما ثمة دول منفردة تلهث وراء مصالحها الخاصة حتى لو يعني ذلك الانبطاح وتمرير كل المخططات الصهيونية والغربية؛ وهناك اليوم محاولات ما عادت خجولة للتطبيع مع إسرائيل. وما عادت المنطقة العربية تواجه إسرائيل وحدها، إنما ظهرت قوى أخرى حققت نجاحات تغلغلية واضحة وأصبحت لاعباً ذا خطر – مثل إيران التى لها بصمة واضحة في العراق وبتلافيف الفوضى السورية وفي لبنان واليمن؛ وكذا الحال بالنسبة لتركيا التى لفظتها المجموعة الأوروبية ورفضت طلبها بالإنضمام للإتحاد الأوروبي، فاتجهت صوب الشرق الأوسط، وها هي ذات وجود عسكري بالداخل السوري وبشمال العراق “متى شاءت”؛ وروسيا كذلك لاعب أساسي بالمنطقة في هذه الآونة. ولا أحد يتحدث عن القضية الفلسطينية، بل يبدو أنها في طريقها للإندثار.)
ومن هذا المنطلق، دعونا نقرأ التحركات والتحالفات المشبوهة للنظام السوداني، خاصة زيارة البشير قبل بضعة أسابيع لسوريا التى تشير لإنصياعه للتعليمات الإيرانية المنسجمة مع مخططات تنظيم الإخوان المسلمين العالمي والنظام القطري. ولقد زار الرئيس التشادي الخرطوم قبل أيام قليلة من الزيارة المعروفة لنتنياهو لإنجمينا العاصمة التشادية خلال الشهر المنصرم؛ فماذا قال دبي للبشير – بالإضافة لطلب السماح لطائرة نتنياهو بالتحليق فوق الأراضي السودانية؟ يرى كثير من المراقبين أن الحوار كان قد بدأ في اسطمبول بين المسؤولين السودانيين والإسرائيليين بغرض التطبيع، وأن الإجتماع بين البشير ودبي في الخرطوم هو كذلك في إطار محاولات التطبيع المتحركة بكل من الشرق الأوسط وإفريقيا مع الكيان الصهيوني.
سودانايل أول صحيفة سودانية رقمية تصدر من الخرطوم