ندوسوا ندوس (2) .. بقلم: على عسكورى

 

aliaskouri@gmail.com

أثار مقالي الأول بالعنوان أعلاه – الذى نشر بسودانايل 24 مارس 2019 وبصفحتي على الفيس بوك وقمت بتوزيعه على مجموعات “الواتساب” – العديد من التعليقات وردود الفعل من الكثير من القراء في الوسائط المختلفة ، كما وصلتني ايضاً العديد من الرسائل على بريدي الإلكتروني. بعض تلك الرسائل من معارضين أيدوا دون تحفظ ما ورد في المقال، وبعضهم الآخر معارضين اعتقدوا أن المقال مجافياً لروح الديمقراطية، وبعض الرسائل من إسلامويين استصعبوا على الشعب السوداني (دوس) الإسلامويين لأنهم – حسب زعمهم يملكون السلطة والمال والسلاح الخ… ذلك هو مقتلهم، وقد كان ذات الموقف هو موقف الطغاة عبر التاريخ، بل لم ينج منه حتى المسلمين في صدر الإسلام كما يخبرنا المولى..” وَيَوْمَ حُنَيْنٍ ۙ إِذْ أَعْجَبَتْكُمْ كَثْرَتُكُمْ فَلَمْ تُغْنِ عَنكُمْ شَيْئًا وَضَاقَتْ عَلَيْكُمُ الْأَرْضُ بِمَا رَحُبَتْ ثُمَّ وَلَّيْتُم مُّدْبِرِينَ” (الآية – سورة التوبة). مقتل الإسلامويين أنهم لا يتعظون من التاريخ لا القديم منه ولا الحديث!

ومع سعادتي بتفاعل القراء مع ما كتبت، إلا أنى لاحظت أن جميع التعليقات لم تتناول النقطة الجوهرية في المقال وهى: كيف يمكن استيعاب تنظيم لا يؤمن بالديمقراطية والتعددية في نظام ديمقراطي تعددي؟ فالقضية التي تناولتها ليست متعلقة بملاحقة أفراد يحملون فكرا معيناً، إنما وضع التنظيم (الحزب) الذى يتبنى المفاهيم الإقصائية.

في حقيقة الأمر لم يكن المقال حجراً على الفكر أو دعوة لمنع أي مجموعة أن تفكر بالطريقة التي تريد، لأن الفكر لا يمكن حجره بإجراءات أمنية او سياسية، هذه قضية مفروغ منها. ما عنيّته هو قضية مشاركة التنظيمات التي لا تؤمن بالديمقراطية في العملية الديمقراطية. لأن المشاركة في الحياة الديمقراطية لها شروط تستوجب الالتزام الصارم بها كشرط مسبق لكل التنظيمات التي تريد أن تكون جزءً من العملية الديمقراطية.

أول هذه الشروط هو الالتزام المبدئ الذى لا يتزحزح لأى تنظيم سياسي بالعملية الديمقراطية مهما كانت الأحوال او الأزمات. أكثر من ذلك يجب أن يكون هنالك التزام مبدئ راسخ حتى إن لم يكن مكتوباً، ناتج من توافق سياسي قومي من كل التنظيمات السياسية بالدفاع الصارم عن مبادئ واسس العمل الديمقراطي والحريات العامة.

لقد اثبتت التجربة أن المواثيق والتعهدات المكتوبة لا تمثل شيئاً يذكر بالنسبة للإسلامويين ودونهم دائما الفقه التبريري للانقلاب عليها، ولذلك أصبح النظر في طبيعة التنظيمات السياسية القائمة والتساؤل حول التزامها بالعمل الديمقراطي ضرورياً.

الحركة الإسلاموية والتنظيمات التي خرجت منها كالجبهة القومية الإسلامية والمؤتمر الوطني والمؤتمر الشعبي، ثم ما تفرع من تنظيمات صغرى منهما، والتي يقودها إسلامويون كانوا وربما لا يزالوا أعضاء في الحركة الإسلاموية، كلها تنظيمات لا تؤمن بالديمقراطية، بل في جوهرها تنظيمات إقصائية لا تقبل بالآخر المختلف سياسيا وفكريا، فكرتها تقول بذلك وتجربتها على مدار ثلاث عقود من الزمان أثبتت ذلك.

وكما أشرت في المقال السابق، فقد أتاح السودانيون للجبهة القومية الإسلامية المشاركة في الحياة الديمقراطية القصيرة التي أعقبت سقوط نظام نميري، لكنها بدلا من القبول باللعبة الديمقراطية، انقلبت عليها وما تلى ذلك من إقصاء وانتهاك لأبسط حقوق الآخرين تاريخ معروف لا تزال تفاصيله تتري مما يغني عن إيراد تفاصيله.

السؤال الآن: هل سيلدغ السودانيون والقوى السياسية من جحر الحركة الإسلاموية وما تفرع منها من تنظيمات مرة أخرى؟ إن كانت الإجابة لا، إذن ما هي الإجراءات والضوابط والمعايير السياسية التي يمكن اتخاذها لتفادى تكرار هذه التجربة البائسة، تجربة الغدر الذى مارسه الإسلامويون بالقوى الأخرى وبالشعب السوداني، وكيف يمكن للقوى السياسية وللسودانيين تفادى جزاء سنمار من الحركة الإسلاموية مرة أخرى؟ وعلى الإسلامويين أن يتوقعوا ويقبلوا بعد غدرهم بالآخرين أن من حق القوى السياسية أن لا تثق فيهم مطلقاً. فهم من كان السبب في فقدان الثقة بانقلابهم، وسيكون من الصعب عليهم كسب ثقة القوى الأخرى في المدى المنظور! هذه قضية يجب أن تكون مناط تفكيرهم وبحثهم في المدى القصير والطويل، لأن ما فعلوه بالآخرين وبمصداقيتهم السياسية أمر يندى له الجبين.

علينا أيضاً أن نتذكر أن الإسلامويين ورغم بؤس تجربتهم وما ارتكبوه في معارضيهم وفى بلاد السودان، بل حتى في أنفسهم، لم يعلنوا حتى اليوم عن تغيير في تفكيرهم، ولم يعلنوا عن تنظيم جديد يعلىّ من مبادئ الحرية والديمقراطية والقبول بالآخر المختلف. أكثر من ذلك لم يقدموا أي نقد ذاتي لتجربتهم البائسة يفيد أنهم استوعبوا خطورة ما فعلوا في بلاد السودان وشعبها بل حتى في أنفسهم. كل ما تم من نقد حتى الآن عبارة عن مقالات متفرقة هنا وهناك من أفراد تدين التجربة أكثر من أنها تطرح بديلاً موضوعيا يستوعب طاقات الإسلامويين ويوظفها لصالح العمل الديمقراطي مع الآخرين. الى كل ذلك يضاف فشلهم البائن في مد جسور التواصل السياسي مع القوى السياسية الأخرى. فبينما تعمل القوى الأخرى وتناضل وتقدم الغالي والنفيس والتضحيات الضخمة من أجل استعادة الحياة الديمقراطية، ظل موقف غالبية الإسلامويين داعماً للشمولية ومتمسكاً بها، ما عدا مجموعات قليلة من أفراد تشارك في ثورة الشباب بصورة فردية لا تملك قيادة تنظيماتهم منعها، ودوننا الموقف المخزي للمؤتمر الشعبي وإصراره على الاستمرار في المشاركة في سلطة تسحل عضويته في الشارع، أي أن قيادة الحزب تشارك في سحل عضوية الحزب!

يقتضى علينا الإنصاف، أن نقول بوضوح شديد أن واقع الحياة السياسية يقول أن هنالك بعض التنظيمات في المعارضة لا يخلوا سجلها من النهج الإقصائي في الاتجاه المعاكس للإسلامويين. تحمل هذه التنظيمات فكراً إقصائيتا قائما إما على أيدولوجيا شمولية ثبت خطلها وفشلها، أو مفاهيم تقوم على إثنية إقصائية جربت في بلدان أخرى لم تجن منها الشعوب إلا الخراب. تشمل المطالبة هنا هذه التنظيمات بتقديم طرح جديد يؤكد على القبول بالآخر المختلف فكرا واثنيا، إذ من غير العدالة توجيه اللوم للإسلامويين لوحدهم بأنهم إقصاءين. ولعلمي المسبق بذلك، فمخاوف الإسلامويين من أن تلك التنظيمات تعمل على إقصائهم من الحياة السياسية، مخاوف مشروعة.

لكل ذلك، يجب على هذه التنظيمات (إسلامويين وغيرهم) أن تعمل للبحث عن أرضية جديدة مشتركة تتيح لها التعايش مع بعضها البعض، لأن الإقصاء أو حتى هواجس الإقصاء والشكوك المتبادلة لم يورث السودان وشعبه إلا الخراب. و كنتيجة لذلك أصبحت بلادنا وشعبنا في مؤخرة الشعوب. ويقيني أننا جميعا متفقين أن الأحوال الحالية لا تناسب شعبنا وحقه في الحياة الكريمة، وبلادنا تسعنا جميعاً والتعايش ممكن ومتاح ما ينقصنا هو المبادرات الجريئة لرأب الصدع التاريخي الذى حدث للنخب.

يجب على الإسلامويين أن يتذكروا أنهم لثلاثة عقود نكّلوا بمعارضيهم وبالشعب السوداني ولا زالوا يفعلون من خلال سلطتهم القائمة، ترى بماذا كانوا يتوقعون أن يهتف الثوار! هل يهتفون بحبهم! لقد كان طبيعياً أن يهتف الثوار بما هتفوا، وطالما ظل الإسلامويين يتبنون النهج الإقصائى سيهتف الأخرون ضدهم ذات الهتاف، بل إن اصر الإسلامويين على “ركوب الراس” والاستمرار في ذات النهج، سيتم (دوسهم) متى ما تغيرت موازين القوى ضدهم. هذا ليس تهديداً ولا ضربا للرمل، ولا صادراً عن موجدة شخصية ضدهم، إنما إدراكاً لما وقع في مجتمعات أخرى في أزمنة مختلفة، فالأيام دول، والبشر بشر والدماء دماء، وكما تدين تدان. تلك هي حقائق التاريخ البعيد والقريب. رغم كل ذلك، على الإسلامويين أن يتذكروا أن (دوس) السودانيين لهم إن وقع سيكون (سلاخية) مقارنة بالقادم من داخل صفهم وما يحاك ويرتب على مرأى ومشهد منهم، لكنهم لا يبصرون! وفيما أعلم، فالشعب السوداني سيكون “أرّأف” بهم ممن علوهم ورفعوهم وملكوهم أمرهم. ولذلك عليهم اختيار جانب الشعب، الذى – في نهاية المطاف – لن يجدوا ملجأً غيره.

وقبل أن نبلغ ذلك … لا تزال الكرة في ملعب الإسلامويين، هم الذين سيقررون خياراتهم ومصيرهم. ولو كنت مكانهم لاخترت “دوس” الثوار!

للأسف ومن واقع معرفتي بهم ومن واقع تجربتهم وممارستهم يمكن القول أنهم ما خيروا بين أمرين إلا اختاروا أسوئهما.

عن طارق الجزولي

طارق الجزولي

شاهد أيضاً

الثور في مستودع الخزف!

مناظير الخميس 26 يونيو، 2025مِن سخرية الأقدار أن الانقلابي عبد الفتاح البرهان سيشارك في مؤتمر …

اترك تعليقاً