الكيزان أضاعوا السودان! .. بقلم: د. محمد بدوي مصطفى
في كل بقعة تجدها مسترسلة ناصعة البياض ترقد على محيط وجوه سمراء مستديرة، تعلوها “زبيبة” بلون بلح موسم قضى، تغطي الجبين في استواء وامتداد. يسعى بها رجالٌ بعمامات خضراء مستبرقة، فيعكس صفاء بياضها لمن يراها طمأنينة عميقة وتقوى راسخة وايمان لا يتزعزع. لا يعتريك عند رؤيتها أي شك ولا يتبدّى بها أي مؤشر يدلُّ على نفاق أو ضلال! نعم هي ذقون طويلة ولحى مسترسلة وعنافق حمراء بلون الحنّاء لرجال ما خلقوا إلا للعصمة والزهد! ومن ورائها (أي الذقون) ترى نسوة “يتزملن” عباءات سوداء كالخيم، يتطلعن بأعينهن المشرئبة من وراء أستار شفافة إلى الأفق البعيد؛ توحي تلك الأعين بنظرة غامضة، غريبة وأغلب الظن منكسرة، لكن ماذا وراء تلكم الأعين يا تُرى؟ لوحة مستقاة من صميم واقعنا، ومن قلب أسواقنا وطرقاتنا، تُجسّم طابعا لم نعرفه بهذه الكثافة قبل عقود الإنقاذ، اللهم إلا في قلّة قليلة من بلدان العالم العربي. فمن يا تُرى جلب أو قل خلق هذه اللوحة في سودان اليوم؟ أهل هو وجه لوطن غريب لا نعرفه، أُلبِسَ ثوب هويّة غريبة عنه؟ أم أنها هويتنا الآنية ومذ أن أبصرت أعيننا لحن الحياة؟
لا توجد تعليقات
