تُعد كلمة (سلفية) من أكثر الألفاظ غموضاً وإثارة للالتباس لدى جمهرة الناس وخاصتهم، وتعقيد وتشعب ارتباطات مصطلح السلفية يعود إلى تعدد وتنوع مشارب المنتسبين إليها، بكل حمولات المصطلح التشريفية التي يدّعيها أغلب أصحاب المذاهب والتيارات الإسلامية، فالانتساب إلى أصول الإسلام ورواده الأُوَل يُعد شرفاً يطلبه كل داعية إلى تمذهب، بيد أن الجدل مستعر في تحديد تلك المرجعية التشريفية التي يرومها كل صاحب مذهب، فالرواد الأُوَل هؤلاء تختلف التيارات السلفية على توصيفهم. كما أن تعقيد الظروف السياسية والاجتماعية الصاخبة التي صاحبت تطور المصطلح قد أضفت أبعاداً جديدة، تلك الظروف لم تقف عند ذلك الحد وإنما أسهمت بصورة مباشرة في تقسيم الزاعمين بالانتساب إلى السلفية فأمست السلفية الواحدة سلفيات متعددة التوجه والاعتقاد وأساليب العمل، ففي السلفية ما هو تقليدي علمي، قَصَر مهمته على الوعظ (ويستغرب الدكتور يوسف زيدان ويضرب كفاً بكف على تسمية –داعية- فيقول إن هؤلاء وُعاظ في مجتمع مؤمن معترف بالإسلام وفيه من المعاصي ما يستدعي وعظه وليست له حاجة في من يدعوه إلى دين يؤمن به أصلاً) وفيها الإصلاحي النهضوي وفيها السياسي الحركي وفيها الجهادي والتكفيري المسلّح. الأمر الذي ألقى بظلاله الكثيفة على المصطلح، الذي لم يعد يصطلح الناس على محدداته ومقصده على وجه الدقة في راهنهم المعيش، خاصة وأنه لم يشيع بين المتقدمين ممن أرّخوا للمذاهب والفِرق، فالظاهرة السلفية تمثل اتجاهاً متأخراً شيئاً ما وهي عند البعض تُعد منهجاً يدعو إلى فهم الكتاب والسنة بفهم سلف الأمة الإسلامية وهم النبي الكريم وصحابته وتابعيهم ممن شهد الرسول لقرونهم بالخيرية، والتمسك بأخذ الأحكام من القرآن الكريم وما صح من الأحاديث النبوية الشرفة، مع الابتعاد عن كل دخيل أو غريب على هذه التعاليم. وقد قامت الدعوة السلفية في الحجاز مع بداية القرن العشرين ونشوء الدولة السعودية وتحالفها مع المؤسسة الدينية التي أشاعت منهجها ليصل إلى بقاع الإقليم الإسلامي كافة.
تنطلق الدعاية السلفية من الحرفي الجامد لمناقشة قضايا المجتمع الراهنة حول الديمقراطية والحريات العامة والفردية وحقوق الأقليات وعلاقة الدين بالدولة وغيرها مما تفرضه طبيعة تدافع المجتمع وحراك الثائرين على الاستبداد السياسي وعلى المفاهيم والقيم الرواسخ، كما أنها –أي السلفيه- تقدم الإجابات الجاهزة لسؤال الفنون وقضايا المرأة. فجوهر الخطاب الذي تتوجه به إلى الناس بُغية التأثير عليهم وكسب تأييدهم هو فهمها النهائي وغير القابل للنظر أو النقاش بأي حال، ذلك الفهم المحتِكر يدفع بعض التيارات المتسلّفة إلى درجة بذل الأرواح لخدمة القضية المُروَّج لها. ففي ظل الفضاءات المفتوحة اليوم أصبح تجييش الناس لخدمة أهداف جماعة دينية بعينها لا يتطلب جهداً كبيراً غير صناعة خطاب دعائي مقنع كفيل بأن يأتي بـ(الفدائيين) من أقاصي الدنيا إلى حيث نُصرة الدين.
والسلفية تعود تاريخياً إلى الجمود المقترن بالتأويلات الدينية المتزمتة والمتصلة بحرفية الفهم ومحاولة فرضه على الآخرين في حقول الفكر والمعرفة والتدّين، حتى أضحت قرينة كل توجه يُحيل النصوص المقدسة أو الأفكار أو الآراء البشرية إلى أصول ثابتة لا تعرف المرونة ولا تراعي المتغيرات في واقعها المتغير المحيط بها، ولذلك يمكن فهم الأصولية الفكرية أو الثقافية في سياق الأصولية الدينية، فالظاهرة الأصولية علاوة على كونها توجه هدفه جر الناس إلى عوالم سالفة جديرة بإعادة الإنتاج والتمثُل الحرفي؛ هي محاولة لإضفاء سمات القداسة على الآراء أو القواعد أو الأفكار التي تستحيل بسبب تزمّت مناصريها إلى أحكام أو أقوال أو قوانين جاهزة لكل الظروف ولكل الأزمان، دون أن تكون قابلة للتأويل أو النظر النقدي، فهي ببساطة في منزلة أكبر من أن يطالها نقد ناقد أو ينظرها ناظر متأول، وإذا تقاطع الفكري مع الأيديولوجي أو الديني فنحن هنا إزاء وضعية تُكسب الأشخاص أو النصوص قداسة إلهية بلا شك. إن نشوء السلفية وتجلياتها الأصولية المختلفة ما هو “بتقدير مراد وهبة” إلا رد فعل معاكس لمنجزات الرؤى الكونية الجديدة التي تهدد تراثها الذي يجنح إلى الخلط بين المطلق والنسبي والمزج بين الحقيقة الأبدية بالحقيقة العابرة، وبذلك يراها الدكتور مراد وهبة حركة متعددة المظاهر بيد أنها تدافع -على اختلافها- عن حقيقة لاهوتية ماضوية، وكأنها رسالة أبدية موجهة ضد حقيقة لاهوتية راهنة، وليس لأنها متجاوزة لهذا الوضع، ولكن لأنها تتحدث عن وضع ماضوي فتمنح مصداقية أبدية لرؤية نسبية، وفي هذا السياق تصبح الأصولية ممهدة لما أسمها وهبة بصراع المطلقات. وصراع المطلقات لا تستقيم معه الدعوة إلى تصالح أو حوار أو تلاقح للثقافات، ذلك لأن الحوار يقوم “طبعاً” على التسامح ويفترض نسبيته في المقام الأول في التأسيس ومشروعية الآخر المخالف بالمقابل. وهذه الفرضية ليست ممكنة مع رسوخ الدوغماتية -التي تشكل عماد الأصولية- والتي ترتقي بالأنا (نصاً أو شخصاً أو فكرة أو نحوها) إلى مستوى المطلق أمام الآخر المختلف، على اعتبار أن المطلق غير قابل للتعدد بطبيعته ذلك لأن تعدد المطلقات مهدد لوجودها أصلاً.
إن الآخر مهما كانت درجة قربه منهجياً من السلفية يظل دوماً في مواجهة الخطاب الدعائي السلفي (على تعدده اللافت) ممتحَناً في رأيه وعقيدته وممارساته ومطلوب إليه دوماً التبرير والتفسير أمام مطْلقات الخطاب السلفي، ثم هو –أي الآخر- يُمسي متهماً في منهجه وفي طرائق فهمه وتفسيره للنص المقدس ثم مطروداً بابتداعه أو فسقه أو زندقته أو كفره الصريح. إنها النهاية الحتمية بلا ريب والمأساوية أحياناً، ولهذا الغرض يعتمد الخطاب الدعائي السلفي مجموعة من الأدوات الحركية والصيغ الخطابية والأساليب الإنشائية الوعظية المضمخة بالدموع أو التهديد والوعيد تارة والترغيب تارة أخرى لتحقيق هدفها في وأد الآخر من ذوي الطرح المغاير أمام الخطاب السلفي غير القادر على تصور الآخرين، فينزل منزلة المقدس الجامع للمحجة البيضاء التي ما زاغ عنها إنسان إلا وهلك.
Farog20@gmail.com
//////////////////
سودانايل أول صحيفة سودانية رقمية تصدر من الخرطوم