قائمة الإهمال (Not To Do List) وثقافة بكرة ان شاء الله .. بقلم: الدكتور أحمد صافي الدين
27 ديسمبر, 2019
المزيد من المقالات, منبر الرأي
125 زيارة
ahmedsafidin@yahoo.com
ان الناظر لتجربة الحضارة الاسلامية في ميادين التاليف يلحظ دون عناء تطبيق مبدأ قانون الاهمال لدى أغلب العلماء، اذ كانوا لا يضيعون وقتهم الثمين. فادا اردنا ان نتحدث عن تلك التجارب فتحتاج لمجلدات، ولكن نشير الى ان بعض العلماء كان يختار طعاما دون اخر توفيرا للوقت حين يقول: ما بين سف الفتيت وأكل الخبز قراءة خمسين آية. وثان يأمر صبيه يقرأ له حين يدخل المرحاض حفاظاً على الوقت. وثالث يقول الساعة التي آكل فيها كان روحي تخرج من شدة حرصه على الوقت. وبهذا الحرص المتطرف تركوا لنا ثروة علمية وحضارة افادت منها البشرية. وحين تنكب الخلف منهج السلف سقطوا في جب الفراغ، وعجزوا عن لحاق ركب الحضارة. ولاهل السودان باع طويل في ضياع الوقت، فيبدو لى اننا معشر اهل السودان نعيش حالة ملكية، بمعنى اننا نتصرف كما يتصرف الملوك. يسألون ولا يسألون. يظهر ذلك في معظم سلوكنا: في قيادة السيارة، والوقوف في الشارع العام، وفي التحدث بصوت مرتفع، وباغلاق الشارع العام في المناسبات، وبرفع الاصوات في الاحتفالات والحفلات…
من قبل كتبت باحثة المانية كتابا عن الثقافة السودانية ، قالت فيه ان السودانيين لا يحترمون الوقت، ولما كان الوقت هو المال واكثر، فهم بالتالي لا يحترمون المال نفسه. ولعل هذا السلوك قادنا الى ثقافة بكرة ان شاء الله.
يقول الكاتب جيم كولينز مؤلف كتاب من جيد اللى عظيم: أن التركيز لا يكون على ما يجب عمله، بل على ما يجب الا نفعله. أمضى جيم كولينز مع فريق بحثه حوالي خمس سنواتٍ في رحلة بحث للإجابة عن سؤال واحد، هو: “لماذا هناك شرِكات في السوق كانت جيِّدة، ثمَّ تحوَّلتْ لشركات عظيمة في غضون سنوات؟”، رغم أنَّ تلك الشركات الجيدة كانت مبيعاتها عالية، وحقَّقتْ هامشَ ربح جيدًا، ولديها حضور في السوق أمام منافسيها، فتحوَّلتْ بفضل قيادةٍ حكيمة خلال فترة محدودة إلى شركاتٍ عظيمة؛ كونها طبَّقتْ قانون الإهمال، الذي تقوم عليه فكرة هذا الكتاب: يجب أن نحددها أولًا، ثمَّ نهملها ثانيًا، ثمَّ نرميها في سلة المهملات ثالثًا.
وقد راقَتْ فِكرة هذا الكتاب للرئيس التنفيذي لإحدى الشركات الكبرى، فاجتمع يومًا بكِبار موظَّفيه، ووجَّه لهم سؤالًا مُفاده “ما هي الأعمال والمنتجات التي يفترض أن نتوقَّف عن عملها وإنتاجها؛ كونها لا تحقِّق لنا عوائد ذات جدوى، سواء كانت ماليَّة أو إستراتيجية، أو تلك التي تأخذ منَّا جهدًا ووقتًا كبيرين بينما يكون عائدها ضعيفًا جدًّا لا يقارَن بالوقت والجهدِ المبذولين فيها؟”.
والسؤال للقراء على الصعيد الشخصي: ما الأشياء التي يجب أن نتوقَّف عن عملها في حياتنا اليوميَّة، سواء كانت في العمل الرَّسمي، أو على المستوى الاجتماعي؟
وبفضل تطبيق هذه الشركة لقانون قائمة الإهمال بعد اجتماعهم هذا، أصبحَتْ هذه الشركة أكثرَ تركيزًا من ذي قبل، وأصبح لديهم وفرة في الوقت والجهد، ممَّا مكَّنهم من صرفهما في مشاريع أخرى ذات جدوى اقتصاديَّة، أو لتجويد عملهم، وتبعًا لذلك تَحسَّن موقف الشركة المالي كثيرًا، وارتفع مؤشِّر الرضا لدى العاملين بها
أن مؤسساتنا وشركاتنا في القطاعين العام والخاص تحتاج بشدة الى تطبيق قانون قائمة الاهمال لتتمتع بانجازات جبارة ذات مردود ايجابي على الاقتصاد والاجتماع والنهضة والتطور. فمصدر تخلفنا هو السير ببطء الدواب في عالم يسير بسرعة الصواريخ. فاذا اردنا ان نتخلى عن العادات الضارة المتعلقة بالتسويف والمماطلة وقتل الوقت،ف علينا حَصْر جميع الأعمال التي نَقوم بها في قائمة؛ وذلك منذ أن نصحوَ من النوم في الصباح الباكر وحتى عودتنا للنوم ثانية في مساء كل يوم، ثمَّ نحدِّد مدى أهميَّة كل عمل من تلك الأعمال، ومدى حاجتنا إليه، فما كان منها مهمًّا أبقيناه، وما كان غير ضَروري استبعدناه أو قلَّلنا منه إلى أبعد الحدود لنتمكن من توفير الوقت وبالتالي انجاز اعمال ذات قيمة واهمية. ان النصيحة القيمة هي : لا تفْرِط في الالتزامات؛ كي لا توتر نفسَك.
وإلى أولئك الذين لا يخطِّطون لأعمال يومهم، أو لا يَضعون أولويَّات لِما يقومون به، نشير إليهم بالحِكمة التي تقول مَن شغل نفسه بغير المهمِّ، ضيَّع المهمَّ، وفوَّت الأهمَّ، واعلم أنَّ فِكرك لا يتَّسع لكلِّ شيء، ففرِّغه للأهم.
وأما الطامَّة الكبرى، أو ما يمكن أن يُطلق عليها ناسفة الوقت في هذا العصر، ألَا وهي السوشيال ميديا Socail Media بجميع قنواتها؛ حيث شغلَتْ معظم أوقاتنا، وأحدَثتْ شروخًا في علاقات أفراد الأسرة بعضهم ببعض، بل أحدَثتْ فجوات عميقة في التواصل فيما بينهم، حتى إنَّهم عندما يَجتمعون في صالة الجلوس تجدهم في تواصُل مع أصدقاء قد يكون بعضهم في أقاصي الدنيا، ولقد أعجبني قانونٌ لإحدى الأسر عندما فرَض ربُّ الأسرة وضعَ الجوالات في صندوق قبل التوجُّه لصالة الجلوس، أو تلك الأسرة التي حدَّدتْ زمنًا محددًا في اليوم لاستخدام الجوَّال، وما عداه مَحذور يوجب العِقاب.فيا معشر السودانيين ان الوقت اثمن من الذهب فلا تضيعوه، وأن المال عصب الحياة، فلا تبذروه، وان السودان يحتاج للتغيير، فلا تهملوه..