مقدمة المؤرخ بيتر هولت لكتاب حاييم شاكيد المعنون “حياة المهدي السوداني

 


 

 

مقدمة المؤرخ بيتر هولت لكتاب حاييم شاكيد المعنون "حياة المهدي السوداني: دراسة تاريخية لكتاب "سعادة المستهدي بسيرة الإمام المهدي"
Forword by P.M. Holt to the book: “The Life of the Sudanese Mahdi: A Historical study of Kitab saadat al – musthadi bi-sirat al – al-Imam al- Mahdi
P.M. Holt بيتر هولت
ترجمة: بدر الدين حامد الهاشمي

تقديم: هذه ترجمة لما قدم به المؤرخ البريطاني بيتر هولت (1918 – 2006م؛ اُنْظُرْ نعيه في صحيفة الاندبندنت https://shorturl.at/JMQV5) كتاب للمؤرخ حاييم شاكيد، استله من رسالته للدكتوراه التي نالها عام 1969م من "مدرسة الدراسات الشرقية والأفريقية" بجامعة لندن، والتي أشرف عليها هولت (كما أشرف من قبل على المؤرخين حسن أحمد إبراهيم وجبرائيل واربورج، وغيرهما). ويعمل البروفيسور شاكيد الآن أستاذا للدراسات الدولية في جامعة ميامي الأميركية منذ عام 1988م (https://shorturl.at/hoxL9).
ويجدر بالذكر أن كتاب إسماعيل بن عبد القادر الكردفاني "سعادة المستهدي بسيرة الإمام المهدي"، قد نُشِرَ بتحقيق محمد إبراهيم أبو سليم، بيروت: دار الجيل، 1982م. وأورد حاييم شاكيد في مقدمة كتابه هذا (الذي أصدره عام 1978م) سيرة ذاتية ضافية لإسماعيل بن عبد القادر الكردفاني.
المترجم
************* ************ ***********
لقد كان القرن التاسع عشر فترة من الزمان وقعت فيها الكثير من التغيرات العميقة في المناطق التي تشكل الآن المديريات الشمالية لجمهورية السودان الديمقراطية. وفي الخمسمائة سنة الماضية اختفت من الوجود الممالك النوبية المسيحية، وقطن السكان المسلمون، الذين كان معظمهم من الناطقين باللغة العربية ويزعمون أصلاً عربياً، في القرى المستقرة وأراضي الرعي. وقد حافظت سلطنتا الفونج ودارفور الإسلاميتان منذ القرن السادس عشر على درجة معينة من السيطرة على مقاطعات واسعة، في حين كان الشيوخ (المعلمون الدينيون) مشبعين بعمق بالصوفية، ونقلوا للسكان إسلاماً شعبياً يشتمل على عناصر ثقافية متنوعة. وفي الفترة من 1820 إلى 1821م أطاح الغزو التركي المصري للسودان بالهياكل السياسية المحلية أو خفض سلطاتها إلى تبعية أكثر صرامة مما كان معروفاً من قبل، وارتبط السودان بمصر محمد علي باشا، التي كانت هي نفسها تدخل في مخاض التحديث والعَصرنة تحت نفوذ دول أوروبية. وهكذا جلب الغزو الأجنبي تأثيرات هددت الإسلام التقليدي للسودانيين، وبعد جيلين جاءت المهدية بحسبانها ثورة ضد الهيمنة السياسية والثقافية الأجنبية. ولكن على الرغم من أن المهدي كان قد نشأ في بيئة صوفية محلية، إلا أنه لم يسع لاستعادة المجتمع المفقود في فترة الفونج، بل سعى لإقامة مجتمع أكثر بعداً وأشد قدسية – لقد كان يسعى لإقامة أمة النبي محمد وأصحابه. وفي هذا الصدد، تظهر المهدية الكثير من أوجه الشبه مع حركات أخرى مثل الوهابية، التي وجدت في العصر الذهبي للإسلام الباكر برنامجاً للعمل الديني والسياسي في عصرها. غير أن المهدي وأنصاره كانوا يرون أنفسهم ليسوا فقط مجرد مجددين أو مصلحين للعقيدة الإسلامية، بل كانوا يرون أنفسهم خلفاء حقيقيين للنبي وصحابته، وأن عليهم إعادة أداء نفس الأدوار المقدسة التي أداها مجتمع النبي محمد عند بداية عصره.
إن العمل الذي يعرضه الدكتور شاكيد هنا عن سيرة المهدي وسيرته الذاتية هو عمل مهم بلا شك. أولاً: لأنه يعكس هذه الصورة الذاتية للمهدي وأتباعه، ويلقي الضوء على الإسلام السوداني الشعبي في ذلك الوقت والتوقعات الأخْرَوِيَّة (eschatological expectations) التي تمثل رد فعل على الحكم التركي المصري. وثانياً، على الرغم من أن مقصد هذه السيرة ديني وتعليمي، إلا أنها تُعَدُّ مصدراً فريداً لسيرة المهدي وتاريخ الحركة التي بدأها. وهذه النسخة الإنجليزية المكثفة التي أعدها الدكتور شاكيد بعناية فائقة، وكتب لها مقدمة علمية وشاملة، تمثل بالتالي مساهمة كبيرة ومهمة في فهم المهدية السودانية في جوانبها المزدوجة كثورة سياسية، وكحركة ألفية (millenarian) في الإسلام. وسيجد القُرّاء والقارئات المهتمون بتاريخ السودان وتاريخ الإسلام في هذا الكتاب فائدة عظيمة.

alibadreldin@hotmail.com

 

آراء