لا يستقيم الظل .. بقلم: علي عسكورى
2 يناير, 2020
المزيد من المقالات, منبر الرأي
27 زيارة
askouriali@gmail.com
عجبت – وقادة السودان يمينا ويسارا اهل عجائب يقف الانسان مذهولا عند افعالهم ومقدرتهم الهائلة في التهرب من الحقيقة والالتفاف حول جوهر القضايا واسبابها ومطاردة اوهام هم انفسهم لا يعرفون كنهها – وان كانوا جميعا على علم تام انهم يطاردون الوهم ويلتفون حول الحقيقة. عجبت للتلاحي والتجاذب الذى كاد ان يصل حد المواجهة بين قوى الحرية والتغيير والحكومة الانتقالية ممثلة فى وزارة المالية حول موضوع الميزانية العامة للدولة ورفع الدعم وما الى ذلك من حسابات وجمع وطرح لأرقام وجداول المنصرفات والايرادات الخ..
ثم بعد ان دلق القوم احبارا كثيرة وملاوا صفحات الصحف والوسائط المختلفة بالتصريحات والزمجرة ومرات اخرى بالحسرات، انتهوا الى حل وسط بتأجيل القضية الى ثلاثة اشهر…!
ظللت اراقب هذا التلاحي والوقت المهدر والعراك فى لا معترك بدهشة الجمتني..! فالقوم كعادتهم تركوا المعركة الحقيقية واجترحوا لأنفسهم معركة تناسب ميلهم التاريخي للهروب من المعارك الحقيقية خاصة هذه التى ظلوا يتهربون منها لقرابة الأربعة عقود.
جميعنا يعلم ان المعضل الحقيقي في السودان ليس اقتصاديا صرفا لان الازمة الحالية فى جوهرها ليست ازمة اقتصادية انما ازمة سياسية كاملة الدسم تتمثل فى وجود دولة دينية لها نظمها ومؤسساتها والياتها وفسادها وسوء ادارتها وخلل جوهري فى نظمها المالية والمحاسبية وما الى ذلك من فوضى مالية وادارية تمثل كلها مجتمعة ركنا اساسيا في الدولة الدينية بل عمودها الفقري. ولشرح ما اقول فالذي يقوم به قادة قوى الحرية والتغيير من تجاذب حول الموازنة يمثل فى جوهره محاولة (ميكانيكى) استخدام قطع غيار تايوتا لاصلاح عربة ميرسيدس، وبالطبع لو كنت صاحب العربة الميرسيدس ستقتنع ان ذلك الرجل غير سوي، لأن ما يحاول فعله اقرب للاستحالة ويجافي المنطق ويخالف ابسط قواعد صنعته.
ان واقع الحال يقول ان منهج الدولة الدينية وسياساتها الاقتصادية التى طبقت فى بلادنا منذ ١٩٨٣ قادت الى ربكة مفرطة فى ادارة الاقتصاد انتهت بالبلاد والعباد الى افلاس وفقر مدقع، فلاهي رأسمالية مفتوحة ولا هي دولة دينية محضة. لقد كان افلاس الاسلامويين فى مجال السياسة الاقتصادية شنيعا وواحهوا حقاىق العالم ورأسماليته فانكسروا امامها، ولحفظ ماء وجههم لجأوا الى خليط شائه من دربكة عقيمة – مما اعتقدوا انها سياسات اقتصاد اسلامي (قاطعنوا من رأسهم) – ومن الرأسمالية المتوحشة فأدى ذلك الى فوضي مالية عارمة وفرت لهم بيئة ممتازة للفساد الذى يحبونه فأكرعوا فيه حتي ثملوا.
هذا بالضبط هو الخليط او المخلوق الشائه الذى يجب التخلص منه اولا قبل النظر فى الارقام والجداول.
ان على قادة قوى الحرية والتغيير وقبل ان يناقشوا موضوع الميزانية ان يحددوا وبصورة واضحة: ماهي طبيعة و كنه وتوجه اقتصاد البلاد؟
فان اختاروا التوجه الرأسمالي عليهم اتباع وتطبيق الاسس والسياسات الصحيحة للاقتصاد الرأسمالي التي تقتضي بالضرورة كنس المؤسسات المالية التي قامت على اساس ديني أيا كانت، اذ بغير ذلك لن تنجح السياسات الاقتصادية الراسمالية لان قطع غيار التايوتا لا تصلح للميرسيدس. اما ان كانت قوى الحرية والتغيير تقبل – كما تفعل الان- بالدولة الدينية وسياساتها ونظمها فعليها كنس السياسات والمؤسسات الرأسمالية التى تبني عليها الميزانيات السنوية والاستمرار في ما طبقه الترابي، وهذا يقتضي بالضرورة اطلاق سراح سيئ الذكر البشير بوصفه كان خليفة للمسلمين لأن فى الدولة الدينية المال ماله وله ان يهب الدراهم لمن يشاء..! وهو وحده المسؤل عن تحديد الضوابط لصرف المال العام.
من الخطأ الكبير تحميل الحكومة الانتقالية او وزير المالية ما يجري فى ادارة الاقتصاد اذ ليس بوسع هؤلاء ان يصنعوا من الفسيخ شربات، فتحديد الفلسفة والتوجه الذي يقوم عليه الاقتصاد ومن ثم تبني عليه الميزانية هي المسؤلية المباشرة لقوى الحرية والتغيير ولذلك عليها ان تحدد وبصورة واضحة لا لبس فيها فى اى اتجاه تريد ان تمضي باقتصاد البلاد! اما محاولة ” توليف” اسبيرات لماكينة معطلة فسيقود دون شك لكارثة اكبر والهروب من المعركة الحقيقية او تأجيلها يقود فقط لتعميق الازمة و استفحالها وتشعبها وصعوبة علاجها فى المستقبل، او فى احسن الاحوال سيكون علاجها مكلفا سياسيا واقتصاديا.
وطالما تصدت قوى الحرية والتغيير لقيادة البلاد فالمسؤلية تحتم عليها الاجابة على الأسئلة الكبري وليس فقط تضييع الوقت فى الجمع والطرح لارقام لا تثمن ولا تغن عن جوع… مثل هذا عمل موظفين فى دواوين الدولة وليس قادة سياسيين..!
ان الحديث عن ميزانية بصرف النظر عن تفاصيلها تحت مظلة دولة دينية بكامل قوانينها ومؤسساتها هو ببساطة حرث فى البحر وتضييع لوقت البلاد ومصالح العباد وان كانت قوى الحرية والتغيير عاجزة عن كنس الدولة الدينية وكامل مؤسساتها المالية يجب عليها التنحي اليوم قبل الغد حتى لا تورط اجيال الثورة فى مشكل اعمق وتتسبب في ضياع التضحيات والدماء الغزيرة التى قدموها. هذه هي المسؤولية الاخلاقية والوطنية لقادة قوى الحرية والتغيير.
ان الواقع بكل تجلياته يقول ان الدولة الدينية قد فشلت تماما وان الشباب الذى قاد ثورة ديسمبر قد رماها في المزبلة ومن الخطأ تجريب المجرب والمسؤولية تحتم علينا جميعا الاستجابة لأهداف أولئك الشباب الذين ضحوا بأرواحهم وحياتهم وبذلوا دماء غزيرة، فى غير ذلك علينا ان نفسح لهم المجال ليبنوا الدولة التى يريدون..!