المَلكُ الجائرُ وحُكَمَاءُ القَريَة- أبْ لِحَايّة، قصصٌ من التُّراثْ السُّودانَي- الحَلَقَةُ التَاسِعَةُ والثَلاثُوُن .. جَمْعُ وإِعدَادُ عَادِل سِيد أَحمَد.
4 أبريل, 2020
المزيد من المقالات, منبر الرأي
40 زيارة
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
كان يا مكان في قديم الزمان؛ كان هناك ملكٌ جائرٌ، وقرَّر هذا الملك، من جوره، وسطوته أن يبطش بكبار السن من حكماء القرية.
وأمر أبناءَ القرية، أن يُحضروا آبائهم، ثم قتل جميع الآباء فور مثولهم لديه.
وصارت القرية بلا حكماء، ولا خبراء، ما عدا (محمداً) الذي كان قد أخفى أباه في (القسيبة )، بمعاونة زوجته.
وما أن إطمأن السلطانُ الجائرُ إلى غيابِ الحكمةِ عن القرية، حتى بدأ في وضع اختباراتٍ للشباب، وبدأ بأن وضع ذهباً في البرازة ، وأمر الشباب بأن يطأوا الذهب، ويعرِضُوا فوقه، دون أن يدنقر أي منهم نحو الذهب، وقال لهم:
– إنَّ من يدنقر منهم، يكون هو الحرامي، المسؤول عن كل السرقات الماضية في القرية.
فجاء محمدٌ إلى أبيه، طالباً منه النصح، فقال له أبوه:
– عليك أن تشتري ثلاثة مراكيب متماثلة، وتدهنها من الأسفل بالعسّلْ، وتطأ الذهب وتعرض فوقه، فيعلق بها، دون أن تضطر إلى أن تدنقر، وما أن يمتليء الحذاءُ بالذهب، حتى تستبدله بحذاءٍ آخر، وهكذا تجمع الذهب، دون أن يشعر بك أحد.
وجاءَ اليومُ الموعودُ، وعرَضَ محمدٌ في البرازة المملوءة بالذهب، وعمل بنصح والده فكان يستبدل أحذيته كلما امتلأت ذهباً…
وهكذا استولى محمدٌ على الذهب، دون أن يشعر به أحد، لأنه لم يبدِ أي حركة تدل على أنه أخذ الذهب.
وفي الاختبار الثاني، أمر الملكُ شبابَ القرية أن يحصدوا قمحاً في الهواء، فأتى محمدٌ إلى والده، وسأله عمَّا يجب فعله، فقال له والده:
– اذهب، واحصد مع الحاصدين، ولكن، في أثناء الحصاد، ضَع منجلك تحت أباطك، وخذ قبضةً من القمح، ثم أفركها، وألقي بها في فمك، ونفذ محمدٌ وصيةَ والده، ففرك قبضة القمح وأكلها في الهواء.
ولاحظه السلطانُ، فاستدعاه، وسأله:
– ماذا فعلت، يا محمد، وكيف أكلت الهواء؟
فقال له محمد:
– لقد أكلت من القمح الذي أحش، وأحصد فيه!
وشعر الملكُ بغرابة سلوك محمد، وأحس أنه لابد أنه يملك مرجعًا ما، أو إن لديه كبير، فطلب منه إحضار صاحبه، وكاتم سره، وعدوه.
فجاءَ محمدٌ إلى أبيه، مرةً أخرى، فقال له الأب:
– خُذ كلبَك فهو صاحبك، وحمارَك فهو كاتِم سرك، وزوجَتَك فهي عدُوك.
وأخذ محمد ثلاثتهم: الكلب، والحمار، وزوجته، وانطلق بهم إلى قصر السلطان.
وهناك سأله السلطان:
– ما هذا؟ الذي أتيت به، يا محمد…
فقال محمدٌ للسلطان:
– هذا كلبي، وهو صاحبي في حلي وترحالي، ولا يفارقني أبداً، وهذا حِمَاري، كاتِمُ سرِّي، وهو لا يطلع أحدًا على ما أقولُ وأفعل، حتى لو قتلت رجلاً، وهذه هي زوجتي، وهي عدوي.
فصرخت المرأةُ في وجهِهِ، على الفور، وانفجرت أمام السلطان، قائلةً له:
– أنا عدوك؟ يا جاحد…وأنا التي أخفي لك والدك، في (القسيبة)، منذ ثلاث سنوات، يا ناكر الجميل!
فضحك السلطان ضحكاً شديداً، حتى بانت نواجذه، وأمر محمد بأن يأتي إليه بأبيه، قائلًا له:
– لقد ندمت على قتلي الحكماء من كبار السن، وأنا احتاج لعون أبيك الحكيم في إدارة شؤون البلاد.
فلما احضر محمدٌ اباه، رحب به السلطان، وعينه من كبار مستشاريه، وأوكل إليه متابعة المهام العويصة.
amsidahmed@outlook.com