تناقص الأوتاد .. بقلم: محمد صالح البشر تريكو
12 مايو, 2020
المزيد من المقالات, منبر الرأي
28 زيارة
أول مرة يرفض القلم الذي كان مطاوعاً لأناملي أن يسطر كلمات رثاء، إذ حاولت جاهداً كتابة مقال بعنوان – بموته… جف القلم، وعاش منصور – ولكن صعب علي بكاء الدكتور منصور خالد عليه الرحمة والمغفرة، ثاني مرة في نفس الشهر تمردت الكلمات لما نعى لي الناعي أبينا العمدة محمود خالد محمد نور الذي رحل بهدؤ يوم امس بمدينة الضعين ويقول أهلنا (حلاوة الموت في قِل العِرفة) أي سماحة خبر الموت أن يكون الميت غير معروف لك. ولكن رجال مثل منصور ومحمود مٓن لا يعرفهما إلا يكون عائش في كوكب المريخ ، من المصادفات الغريبة ان الإسم الثاني لكل منهما خالد ، ما يعلمه العامة عن محمود إنه كان محموداً بالفعل، لصفات تمييز بها عن غيره من الذين ياكلون الطعام ويمشون في الأسواق، منها كعادته يخرج من داره مع بزوغ الشمس كامل الملبس (جلابية، عمامة ملفوفة في رأسه بإتقان وشال على العنق) جاهز للتحرك لأي مكان استدعى حضوره ،. تظل العمامة هكذا الي الساعة العاشرة ليلاً ، لم نشاهد ولو بالغلط نحن سكان مدينة الفردوس العمدة بعراقي وطاقية وأيضاً لم يحصل قط ان تناول العمدة طعام او شراب في السوق ويزيد مرافقوه إنهم يشعرون بالجوع او التعب في رحالات معالجة مشكلات الرزيقات التي تستمر لأيام دون أن يشتكي العمدة مما يعانون، مارس القضاء في محكمة ريفية تنظر في قضايا محدودة لا تشمل الميراث أو جرائم القتل ولكن ما حصل استنئفت قضية نطق بحكمها في محكمته وردها قاضي محكمة أكبر ، حتى شاعت وسط الناس جملة (قضية حكمها محمود ما تتعب توديها القاضي) عدالته في كل الأحوال وحرصه الزائد على القبائل الأخرى جعل مدينة الفردوس منطقة تعايش قبلي ما موجود في رئاسة الولاية الضعين َ وكانت مسميات أحياء المنطقة قبل التخطيط السكاني الاخير وتغيير مسميات الأحياء (حلة برتي، حلة تاما، حلة برقو ، حلة برنو، حلة برقد، حلة حمر حلة الهوارى، حلة بني حسين وحلة بيقو) اما الزغاوة فكانت مساكنهم قِبلة ، فأوحينا الي موسى وأخيه أن تبوا لقومكما بمصر بيوتاً واجعلوا بيوتكم قِبلة) كل هذه المكونات القبلية قد عاشت في منطقة الفردوس متساوية الحقوق والواجبات، الله يقدّر رزيقي يعتدي على واحد من هؤلاء سيصليه العمدة ناراً لا يصلاها إلا الأشقى، لذلك يردد أهلنا هؤلاء جملة ( نحن نعيش هنا لحياة العمدة) .
كان لي العمدة على المستوى الشخصي بمثابة الأب الناصح الامين وفي كثير من الأحيان أيام المعارضة شكّل حائط قوي ضد ضربات لجنة الأمن وجهازها، في الأولى خاطب المصلين من أهلنا في ضحى عيد أخونا الكبير عبدالله مسار وكعادته يدافع مسار عن قناعته بشئ من العصبية حذر اهل الفردوس من وجود شباب يعملون مع حركات دارفور ويجب حسم هؤلاء قبل يأتي يوم تكونوا نازحين مثل غيركم من سكان دارفور الذين سمحوا للتمرد التوغل وسطهم، وكان يشغل منصب مستشار رئاسي، لحظتها إطارات عربات الاحتياطي المركزي وهي كانت القوة الضاربة تدوس على الارض بخيلاء ، في المساء استدعى اخونا مسار العمدة محمود خالد ومحمد حراز وشقيقي محمد البشر وعرض كشف بأسماء اثنا عشر من الشباب كمطلوبين للقبض عليهم ، ترجى العمدة من أخينا مسار أعطاهم مهلة للاجتماع معنا لتقييم الموقف، وأرسلوا عربات لجلب مٓن كان خارج المدينة في القرى المجاورة ، في الاجتماع اثنان منا (حمدان المصري وبابكر جادين) قالا متمردين (عديل) ولكن بقيتنا نفى التمرد ولكن اقر بمعارضة الحكومة، عقب ذلك ناداني العمدة وقال لي من الخطأ مفارقتكم لحزب الأمة القومي ولما استفسرت أين الخطأ قال لي كان يمكن أن تستفيدوا من حزب الأمة في تغطية نشاطكم الآخر ، المرة الثانية كلما ذاعت دبنقا خبراً عن الفردوس جرى الاتهام نحو (شخصي ومحمد صالح كتر وحامد حراز) وفي ذات يوم قررت لجنة الأمن اعتقالنا بتهمة نشر أخبار كاذبة في إذاعة دبنقا وحسب معلومات الأجهزة الأمنية المؤكدة جلسنا في (النقعة) شرق بيت العمدة أو بيت شقيقي واتصلنا عليها، طلب العمدة من لجنة الأمن أن يعطوه فرصة يجلس معنا للمرة الأخيرة ويحذرنا من مغبة التواصل مع دبنقا، طلبني العمدة في منزله وعندما وقوفي أمامه بدأ يصرخ فيّ (شوف يا منشوب) وهي كلمة يقولها في حالة مدح فعل أوحالة ذم فعل، إذاعة دبنقا ما بتسقط لها حكومة من الفردوس، تركته الي أن هدأ ثم قلت له سؤال اتصلنا على دبنقا من النقعة ولا من بيت محمد البشر وهل هذه معلومة مؤكدة ، ضحك العمدة ثم قال هم ناسنا (ديل تلفانين) المعلومة المؤكدة مكانها محدد، بالرغم من أني كنت أصادق عدد من العاملين في دبنقا وأعرف مكاتب إذاعة دبنقا في الخرطوم2 قبل خروجها من السودان ولكن ما حصلت اشتغلت معها أو فكرت في ذلك ، الثالثة ذات مرة حذرني مدير جهاز الأمن بولاية شرق دارفور حينها العميد بيومي بلغة فظة من نشر الأخبار السالبة في إذاعة دارفور24 وإنه لولا تقدير حكومة الولاية لعشيرتي (النوايبة) إحدي محاور قبيلة الرزيقات ووظفيتي في إعلام الحكومة لكنت في السجن، سمى موقع دارفور24 إذاعة وكان يومها الموقع من أنشط المواقع الإلكترونية في تغطية المظاهرات واعتقالات النشطاء، تسمية العميد لإذاعة دارفور24 منحتني فرصة للأنكار ، نافياً وجود إذاعة بالمسمى (ده) لاحقاً ناداني العمدة وقال الناس (ديل بقولوا انت شغال في حاجاتكم الجديدة شغل كعب) وكان يقصد الإنترنت وانا قلت لهم – لو عندكم دليل جيبوا لكن اتهامات زي دبنقا لا لا – مما يؤكد إنهم اوصلوا له معلومة إن ابنكم قد يكون عُرضة للسجن، علاقتي بالعمدة عليه الرحمة والمغفرة ليست محصورة في جانبها السياسي ودفاعه عنا المستميت بل تمتد لشان العمودية ويسمع لي باحترام في كل المشاكل التي تعتري العمودية ويعمل بنصيحتي ، من المؤسف حقاً اخر مهمة كلفني بها فشلت في تنفيذها بالرجوع إليه بقولٍ فصلٍ ، ربما لأني تأخرت في الإنجاز او أن الموت كان أسرع ، اتصلت عليه يوم الثلاثاء الماضي ومن المفارقات الثلاثاء الثاني وهو اليوم يصادف رفع فراشه ،في تلك المكالمة الطويلة ناقشنا قضايا كتيرة (حميدتي هلال) ومؤتمر الرزيقات في الرزق منتصف يونيو، فجأة سألني هل على تواصل مع التعايشي صديقي عضو المجلس السيادي؟ قلت له ما متواصل معه لوجوده الطويل في مفاوضات جوبا، قال لي اتصل عليه شخصان سماهم لي ونقلوا له رغبة التعايشي في اختياره لمهمة وان التعايشي حيتصل به يشرح ماهيتها ولكنه لم يفعل، فقال (كدة) شوف صاحبك في الموضوع وأفيدني، تكاسلت في الاتصال حتى سمعت خبر مرضه عندها خوفت ان يموت قبل أن أنفذ طلبه ، بموته اتصل علي التعايشي معزياً ،في ختام المحادثة أي بعد فوات الأوان سألت عضو السيادي عن المهمة التي يريد ايكالها للعمدة قال لي كنت (عايزو) رئيس لجنة للصلح بين ناظر قبيلة دارفورية وقيادات من القبيلة لموافقة الطرفين على قبول حكمه فيما يتنازعون فيه.
حياة العمدة محمود خالد ليست كلها جد لا هو يتمتع بروح فكاهية يشاركه فيها عدد من قادة الإدارة الأهلية للرزيقات ، وكان يرزع الابتسامة في وجه جلسائه دائماً أما بنكتة او سخرية محببة من بعض الجالسين، من سؤ حظ أبناء الإمام الصادق المهدي (مريم، صديق وعبدالرحمن) كان اجتمعوا في الخرطوم بالناظر المرحوم سعيد مادبو، العمدة محمود خالد، القيادي عباس الليثة والقيادي محمد احمد برام في شأن معالجة المشكلة بين أبناء الإمام وابناء دكتور آدم مادبو، يبدو أن عيال الإمام أكثروا في الإشارة لأبيهم بلفظ (الحبيب الإمام) فلما خرج العمدة محمود خالد من الاجتماع وإلا أصبح ينادي الناظر بالحبيب الإمام ثم يضحك جميعهم بالرغم من انصاريتهم ، سخرية قادة الرزيقات لم تكون محصورة في الأبعدين نسباً، بل شملت حتى الاقربين فعندما جلسوا مع الطرف الثاني أسرة مادبو قالت الحاجة سكينة مكي عبدو قرينة مادبو كلمة اشتهرت بها نساء السودان في حالة التعجب (اجي يا رزيقات) فالتقط القادة الكلمة من فاه الحاجة وأصبح يقلدها بقوله (أجي) ويضحك الجميع، بموت العمدة محمود خالد فقد تناقصت أوتاد القبيلة حيث يصعب على حواء إنجاب مثل أولئك الرجال.
tikobasher@gmail.com