خواطر من الجلسة الثانية لمحاكمة مدبري انقلاب يونيو 1989 .. بقلم: أبوذر الغفاري بشير عبد الحبيب
26 أغسطس, 2020
المزيد من المقالات, منبر الرأي
24 زيارة
تابعت كغيري من آلاف السودانيين وقائع الجلسة الثانية لمحاكمة مدبري انقلاب يونيو 1989، التي انعقدت صباح الثلاثاء 25 أغسطس. وتعد هذه المحاكمة تاريخية للظروف التي تجري فيها. فهي أول محاكمة لرئيس سوداني على انقلاب عسكري دبره. فقد سبق أن أفلت الفريق ابراهيم عبود من المحاكمة والعقاب نتيجة التسويات السياسية التي لازمت نجاح ثورة أكتوبر 1964 وكانت مخرجاً له ولزمرته. وحينما سقط نظام المشير جعفر نميري عام 1985 لم تسنح الفرصة لمحاكمته لوجوده خارج البلاد عند نجاح انتفاضة ابريل 1985، حيث أن القانون الساري لم يكن يسمح بالمحاكمة الغيابية. وشاء القدر أن يكون المشير عمر البشير أول رئيس يتم محاكمته عن انقلاب عسكري، بعد أن نال لقب أول رئيس يتم محاكمته حال حياته في المحكمة التي أدانته بتهمتي الثراء الحرام والتعامل غير المشروع بالنقد الأجنبي، وقررت وضعه بمؤسسات الرعاية الاجتماعية والإصلاح لمدة عامين.
وأول ما يلاحظ في مجريات المحكمة الحسم والحزم اللذين اتسم بهما القاضي عصام الدين محمد ابراهيم رئيس هيئة المحكمة، فقد أوقف محاولة بعض المحامين لتسييس المحاكمة وإخراجها عن إطارها القانوني بطلب الوقوف دقيقة تضامناً مع القضاة المفصولين من قبل لجنة إزالة التمكين. وقد استجاب بعض الحضور لهذا الطلب وسط عاصفة من التهليل والتكبير. وكان القاضي على المستوى المطلوب في مواجهة هذا الخروج عن تقاليد وإجراءات المحاكمات بمنع هذا السلوك. ويذكر هذا الطلب بطلب مشابه تقدم به المتهم علي كوشيب لمحكمة الجنايات الدولية في الجلسة الأولى لمحاكمته، حين طلب الوقوف دقيقة حداداً على أرواح الضحايا في حرب دارفور. وقد رد القاضي روزاريو سيلفاتوري رداً مهذباً أنه يتفهم الطلب ولكن المحكمة ليست المكان المناسب للقيام بذلك. وفي تقديري أن من مصلحة الاتهام والدفاع على السواء الخروج من دائرة التسييس المفرط للقضية وحصرها في الاطار القانوني. فللسياسة منابرها وللمحاكم إجراءاتها ومنطقها. وطرق الاخلال بنظام المحاكم لا تكسب اصحابها حقاً لا يصلون إليه بغير الوسائل المعتادة والقانونية، ولا تسجل لصالحهم هدفاً سياسياً. فالأولى احترام قاعات المحاكم واتباع الاجراءات القانونية.
انعقدت الجلسة دون أدنى مراعاة لمقتضيات بروتوكولات القضاء على فيروس كورونا رغم انتشاره في السودان، وفرض الحكومة قواعده لمكافحته. فلم يتم الالتزام بالتباعد الاجتماعي في مثل هذه الحالات ولم يمتثل الحضور للقواعد الصحية المطلوبة بما فيها لبس الكمامات. فالزحام داخل المحكمة كان على أشده، ويشمل ذلك ايضاً المتهمين الذين ضاق بهم المكان المخصص لهم، ووضع كل ذلك الحضور في مواجهة مخاطر الاصابة بالفيروس القاتل. وكان يمكن أن يتم الاستفادة من التجربة المجانية التي قدمتها محكمة الجنايات الدولية في محاكمة علي كوشيب، حيث ظهر حسن التنظيم والالتزام الصارم بمعايير محاربة فيروس كورونا، واستخدام التقنية بأحسن صورها، ولم يكن الأمر في محاكمة مدبري انقلاب يونيو 89 يتطلب تكلفة مالية باهظة بقدر ما كان يتطلب تنظيماً وحسن أداء، لمحكمة تتجه إليها أنظار القنوات الفضائية على مستوى العالم، وتعكس الأداء القضائي في السودان لكل العالم.
يواجه تحقيق العدالة في هذه القضية عدة عقبات يتعين على المحكمة تقديم إجبات شافية عنها من خلال الحكم الذي سيصدر في آخر المطاف، من بينها قاعدة التقادم المسقط للدعوى الجنائية والتي نصت عليها المادة ٣٨ من قانون الاجراءات الجنائية لسنة 1991 فأوردت:
(لا يجوز فتح الدعوى الجنائية في الجرائم ذات العقـوبات التعزيرية إذا انقضت مدة التقادم بدءاً من تاريخ وقوع الجريمة وهى:
أ- عشر سنوات في أي جريمة معاقب على ارتكابها بالإعدام أو بالسجن عشر سنوات فأكثر،
ب- خمس سنوات في أي جريمة معاقب على ارتكابها بالسجن أكثر من سنة واحدة،
ج- سنتان في أي جريمة أخرى)
فهذا النص يمثل عقبة قانونية وتحدياً تشريعياً أمام الحكم في جريمة تقويض النظام الدستوري عام 1989، التي يتجاوز الحكم فيها السجن لمدة عشر سنوات، ورغم أن الوثيقة الدستورية قد استثنت من عدم تطبيق قاعدة التقادم، جرائم الحرب والجرائم ضد الانسانية وجرائم القتل خارج نطاق القضاء وانتهاكات حقوق الانسان والقانون الدولي الانساني والفساد المالي وجميع الجرائم التي تنطوي على إساءة استخدام السلطة، إلا أنها لم تنص على الجرائم ذات الصلة بتقويض النظام الدستوري.
وربما عن لبعض القانونيين إثارة مسألة أن جريمة تقويض النظام الدستوري لا تنطبق عليها قاعدة التقادم على النحو الحرفي المذكور في المادة ٣٨ من قانون الاجراءات الجنائيةلسنة 1991، بسبب أن الجريمة في هذه الحالة مستمرة، إلا أن ذلك ليس أمراً مضموناً ويتطلب جهداً مقدراً من هيئة الاتهام لإقناع هيئة المحكمة بصحته.
يواجه تحقيق العدالة في هذه القضية أيضاً مخاطر ما نصت عليه المادة (48) من القانون الجنائي لسنة 1991 والتي ذكرت أنه في حالة الشيخ الذي بلغ السبعين من العمر فيجوز للمحكمة تسليمه لوليه لرعايته أو تغريبه أو إيداعه إحدى مؤسسات الإصلاح والرعاية لمدة لا تتجاوز سنتين. وسار على نفس الاتجاه البند الرابع من المادة (33) من ذات التشريع حيث نص على أنه في غير حالة جريمة الحرابة لا يجوز الحكم بالسجن على من بلغ السبعين من العمر فإذا عدل عن الحكم بالسجن أو سقط لبلوغ عمر السبعين تسري على الجاني عقوبة التغريب. ويستظل بظل هذه المادة معظم المتهمين في قضية تقويض النظام الدستوري عام 1989 إن لم يكن كلهم. . والنص الذي يعفي كبار السن من عقوبة السجن نص دخيل على القانون السوداني ولم تتم دراسته بالقدر الكافي ولا توجد دراسات مقارنة حقيقية تبرر وجوده في القانون السوداني، وكان يتعين معالجة مثل هذه المخاطر في وقت مبكر من خلال الوثيقة الدستورية، إلا أن الوثيقة تجاهلت ذلك عمداً أو إهمالاً مما يضع المحاكمة أمام تحدي حقيقي.
أثار الدفاع نقاطاً جوهرية تتعلق بمخاوف من عدم تطبيق العدالة في صورها العالية، ومنها عدم وجود محكمة دستورية يمكن اللجؤء إليها في حالة انتهاك حقوقهم الدستورية أو الاعتراض على عدم دستورية أحد القوانين التي يحاكمون بموجبها، فقد تم تغييب المحكمة الدستورية لمدة تقارب ثمانية أشهر. كما أشار الدفاع أيضاً إلى القرار الذي أصدرته لجنة إزالة التمكين بإقالة ما يربو على مائة وخمسين قاضياً في نفس الأسبوع، حيث أن لجنة إزالة التمكين جسم غريب عن السلطة القضائية، وبعض أعضائها سياسيون، الأمر الذي يهدد استقلال القضاء ويهدر حقوق المتهمين الدستورية في الحصول على محاكمة عادلة ونزيهة. ورغم أن المحكمة لم تضع تقديراً يتناسب ومخاوف الدفاع بشأن هذه الأمور إلا أنها تظل نقاطاً يمكن ان يؤسس عليها استئناف أو طعن دستوري في حال صدور الحكم على غير ما يشتهي الدفاع.
أبوذر الغفاري بشير عبد الحبيب
abuzerbashir@gmail.com