بين تعاليم الإسلام وسلوك المسلمين: الإلتصاق الصفيق والبُعد السحيق: السودان نموذجاً (12) .. بقلم: محمد فقيري
لم يتوقف إنشقاق الفرق على الفرق السلفية الكثيرة ، بل تكونت فرق إسلامية أخرى ، كلها تدّعي الصلاح والفلاح ، وكلها تؤمن بأنها على الطريق القويم ، كلها تستدل بآيات من القرآن ، وكلها تعتقد بأن الرسول إنما عناها هي بالفرقة الناجية ، كلها مستعدة للقتل والحرق والذبح وتقطيع الناس تقرباً لله ، كلها تكفّر بعضها ، كلها لا ترى في غيرها حسنة واحدة من الحسنات. كلها تتصارع في تخطئة بعضها البعض ، فلا تسمع لهم محاضرة أو ندوة وإلاّ كان الكلام فيها عن فرقة أخرى فارقتهم وبالتالي فارقت الدين الصحيح ، وإستحقت بذلك الشتم واللعن والتكفير ، الساحة كلها هجوم وهجوم مضاد ، ليس في الساحة من يعلّم الأخلاق ، وليس فيها من يخاطب الروح ، وليس فيها من يشرح آداب الإسلام ، ليس فيها من يدعو إلي وفاق ، ليس فيها من يتحدث عن الله الغفور الرحيم ، ليس فيها من يشير إلي أن الله يغفر الذنوب جميعا ، وليس فيها من يدعُ إلي سبيل الله بالمنهج القرأني ، ففي القرآن آية ، لو تدبّرها الدعاة وعقلوها ، لتحول العنف إلي لين ، والغلظة إلي رقة ، والشتم إلي رفق ، واللعن إلي سماحة ، والتكفير إلي دعاء بالهداية ، { ادْعُ إِلَىٰ سَبِيلِ رَبِّكَ بِالْحِكْمَةِ وَالْمَوْعِظَةِ الْحَسَنَةِ ۖ وَجَادِلْهُم بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ ۚ إِنَّ رَبَّكَ هُوَ أَعْلَمُ بِمَن ضَلَّ عَن سَبِيلِهِ ۖ وَهُوَ أَعْلَمُ بِالْمُهْتَدِينَ} (125 النحل ) ، بالحكمة ، بأن تكون حكيماً ، تعلم ماذا تقول وكيف تقول ومتى تقول. والموعظة الحسنة ، إذا كانت هناك موعظة حسنة ، فهذا يعنى أن هناك موعظة غير حسنة ، الموعظة هي نفسها ، ولكن عليك أن تحسّن موعظتك ، قد تعظ وأنت عبوس وقد تعظ وأنت مبتسم ، قد تعظ وأنت منفعل وقد تعظ بهدوء ، فأختر من العظة ما يوافق الحكمة ، ومن الأسلوب ما يجذب ، لا ما ينفّر ، وجادلهم (الجدل الواحد ده) ، جدل الفلسفة ، وجادلهم بالتي هي أحسن ، لا تجادلهم حتى بالتي هي حسن ، أرفع الجدال إلي التي هي أحسن ، أمزج الحدل بسابقيه ، الحكمة والموعظة الحسنى ، وفي تلك الحالة ، فلا يدخل في الجدال منطق الشتم والسب واللعن والتكفير والتشكيك والإتهام والتجهيل والتفاف والصراخ والتهديد. ثم ، بعد الحكمة والموعظة الحسنة والجدال بالتي هي أحسن ، أترك الناس لرب العالمين ، فهو أعلم بمن ضل ، وهو أعلم بالمهتدين ، أترك الناس لرب العالمين ، إليه إيابهم ، وعليه حسابهم.
لا توجد تعليقات
