بابكر عبد الحفيظ زهرة شهداء أكتوبر 1964 .. بقلم: د. أبوذر الغفاري بشير عبد الحبيب
22 أكتوبر, 2020
المزيد من المقالات, منبر الرأي
151 زيارة
يتلألأ اسم الشهيد بابكر عبد الحفيظ كلما مر ذكر ثورة أكتوبر 1964 ، ويظل محفوراً في أعماق كل الطلاب الذين يمرون على جامعة الخرطوم وعلى وجه الخصوص طلاب كلية القانون. فقد كرمت جامعة الخرطوم الشهيد بابكر عبد الحفيظ بأن أطلقت اسمه على القاعة الرئيسة بكلية القانون، واحتلت صورته موقعاً مميزاً فيها، وهي القاعة التي تقام فيها فعاليات الكلية، وتستقبل طلاب الفرقة الأولى فيقضون فيها عاماً كاملاً ريثما ينتقلون إلى الفرقة الثانية.
وبابكر أحد ثلاثة شهداء ينتمون لجامعة الخرطوم، قدموا أرواحهم مهراً لقضية الديمقراطية وانهاء الحكم العسكري الأول في السودان فقد كان طالبا بكلية القانون، بجانب أحمد القرشي طه من كلية العلوم، وعبد الرحيم حران الذي كان يدرس بمعهد المعلمين العالي وكان معهداً مستقلاً قبل أن يتم ضمه لجامعة الخرطوم في العام 1974، ومثل النواة لكلية التربية في الجامعة.
من الثابت الذي لا مراء فيه أن الشهيد بابكر عبد الحفيظ لم يكن مجرد طالب بين الآخرين الذين تداعوا لحضور الندوة التي اقامها اتحاد الطلاب ليلة 21 أكتوبر 1964 وكانت الشرارة المباشرة التي ادت إلى اندلاع الثورة، وإنما كان مشاركاً بفعالية في إقامتها وتأمينها، ويحكي محمد مالك عثمان رئيس حزب تجمع الوسط في حواره مع الصحفية عفراء فتح الرحمن عن مشاركة الشهيد في الندوة التي عقدت ليلة 21 أكتوبر 1964 فيها واستقبل فيها جسمه الغض رصاص العسكر: (كان شاباً بادي الحماسة متدفق الإيمان بالديمقراطية والعدالة وكان كالأغلبية العامة من الطلاب غير منتمٍ لأي حزب.. المهم يوم الأربعاء 21 أكتوبر اجتمعنا في صفرة واحدة وتناولنا الوجبة، بعدها طلبت منه استدعاء عدد من الطلاب لحمل الكراسي والطاولات لتجهيز مكان الندوة، وكانت الداخلية مبنية جديدة وبالقرب من سورها (أزيار موية) فقام شبَّ لفوق الأزيار وقطع فرعاً كبيراً من شجرة (اللبخ) وحمل غطاء أحد الأزيار كدرع وقال لي (تعرف يا محمد خلاص الموت جاء والناس ديل يا قتلونا يا قتلناهم) وكأنه يعلم أن نهاية حياته ونجاح الثورة ستكون دمائه أحد العوامل الرئيسة الداعمة لها، وبعد كدا الساعة التاسعة مساء كان جالس في الأرض بسوط اللبخة وغطاء الزير (شايلو زي الدرع) وقال لي (أنا علي حماية المتحدثين). وقد كان الشهيد بابكر مساهماً في صناعة الحماس الذي طغى على الطلاب وهم يتصدون لهجمات العسكر، ويقال إنه هو صانع الشعار الذي ردده الطلاب في تلك الليلة (الليلة يوم الموت).
أصيب الشهيد بابكر عبد الحفيظ برصاصة في أمعائه، وعندما نقل إلى المستشفى اتضح أن مساحة مقدرة من الأمعاء قد أزالها الرصاص الذي اخترقها، وبقي الشهيد في مستشفى الخرطوم لمدة شهر أجريت له خلالها عملية جراحية، قبل أن تنتقل روحه إلى بارئها يوم الأربعاء 25 نوفمبر 1964، فسجى جسده بعلم السودان وحملته الجماهير إلى القصر الجمهوري ثم إلى حامية الخرطوم، ومنها نقل إلى منزل قريبه السيد ميرغني حمزة القيادي بحزب الشعب الديمقراطي، و شيع إلى مقابر أحمد شرفي بمدينة أم درمان. كان تشييعاً رسمياً وشعبياً تقدمه من وزراء الحكومة د. محمد صالح عمر وزير الثروة الحيوانية، والسيد رحمة عبد الله وزير التربية والتعليم.
ويذكر عبد الباسط سبدرات في شهادته عن اللحظات الأخيرة للشهيد بابكر في مقال بالعدد الأول من نشرة كلية القانون: (سرنا خلف الجثمان واجمين، بابكر وادع وديع، في وجهه بعض حزن مكتوم، مستدير الوجه له عيون تبرق بوهج غريب، وما زالت صورته عالقة في ذهني)
لا جدال أن الشهيد أحمد القرشي طه هو أول شهداء ثورة أكتوبر 1964 باعتبار أنه أسبق الشهداء للرحيل، وبسبب هذا الشرف الباذخ نال شهرته المستحقة كرمز لثورة أكتوبر 1964. ولكن لا يزال التاريخ عاجزاً عن تحديد أول الشهداء إصابة. فقد كانت ليلة 21 أكتوبر 1964 بداخليات الطلاب بالجامعة حالكة جداً، اختلط فيها في فترة وجيزة دخان الغاز المسيل للدموع بغبار الكر والفر، وتداخلت حركة الهجوم الصادر من الشرطة بتدافع الطلاب واستماتتهم في الدفاع عن الحرم الجامعي، وأظهر الطلاب حماسة منقطعة النظير في المقاومة، ولم يجد قائد قوة الشرطة المهاجمة بداً من منح الإذن بإطلاق الرصاص الحي، الذي تساقط على إثره الشهداء والجرحى. ويذكر د. أحمد بابكر محمد الخير في رسالته المميزة عن أسباب وتأثيرات ثورة أكتوبر على الحياة السياسية حتى عام 1969 أن (من الصعب في تلك اللحظات العصيبة أن يتمكن شهود العيان من تقدير المدى الزمني الذي استمر فيه إطلاق الرصاص على وجه الدقة ولكن في الغالب الأعم لم يستمر إلا دقائق معدودات وبالتالي ليس من السهل أن يحدد المشاهد لتلك الأحداث الأسبقية والوقت الذي أصيب فيه كل طالب) واستناداً إلى هذه الفرضية فقد عن لكثيرين أن يتكهنوا أن الشهيد بابكر عبد الحفيظ ربما كان أول الشهداء إصابة في ذلك اليوم الحزين.
ينتمي الشهيد بابكر عبد الحفيظ لأسرة عريقة بأم درمان هي اسرة السواراب بحي ودأرو، وهي أسرة لها إسهام مميز في تاريخ السودان السياسي الحديث، وتعود أصولها إلى منطقة الخندق بشمال السودان. وقد عمل والد الشهيد في السكة حديد قبل أن يترك الوظيفة الحكومية وينتقل للعمل تاجراً في سوق أم درمان. أما الشهيد بابكر فقد ولد في العام 1944 بمدينة أم درمان، ودرس فيها المرحلة الأولية بمدرسة أبوروف الأولية، ثم مدرسة حي العرب الوسطى والأهلية الثانوية ثم التحق بجامعة الخرطوم كلية القانون.
حينما جئنا الجامعة في بدايات الثمانينات من القرن الماضي كان تمثالا الشهيدين بابكر عبد الحفيظ وأحمد القرشي طه يتربعان على قاعدتين عند مدخل مكتبة جامعة الخرطوم الرئيسة، دلالة على احتفاء الجامعة بالثمن الغالي الذي دفعاه في سبيل الحرية، واحتفالاً بهما كشخصيتين ملهمتين برزتا من صفوف طلاب الجامعة. ثم أطبقت من بعد، في ليل مظلم، لوثة دينية على كل البلاد ولم تنج منها الجامعة، فأقدم مهووسون على انتزاع التمثالين وإزالتهما عن مكانهما، وفي تقديري أن على إدارة جامعة الخرطوم البحث عن التمثالين وإعادتهما لمكانهما الطبيعي باعتبارهما رمزين يجب أن يقفا ضد النسيان.
د. أبوذر الغفاري بشير عبد الحبيب
abuzerbashir@gmail.com
///////////////////////////////