حنتوب عظمة الماضي وعبق التاريخ ( ٣ ) .. بقلم: حمد النيل فضل المولي عبد الرحمن قرشي

غادر الطلاب المدرسة الي ود مدني ليذهبوا من هناك كل الي حال سبيله .. وكانت مدني تغلي كالمرجل إذ اندلعت فيها أيضا مظاهرات عارمة تندد بالحكم العسكري البغيض وكان العساكر علي ظهر الخيول يلهبون ظهور أبناء الشعب بالسياط بغلظة وجلافة …
دخل بعض أبناء حنتوب في هذه المظاهرات مما عرضهم للاذي الجسيم وكانت وصية المربي الفاضل أحمد حسن فضل السيد مدير المدرسة لهم قبل مغادرتهم حنتوب إلي ود مدني بأن يتوجهوا رأسا إلي أماكن المواصلات ليسافروا الي أهليهم في سلام وان لا يحتكوا بالشرطة …
وعندما علم هذا المربي الكبير بأن بعض الطلاب دخلوا المظاهرات ترك حنتوب وجاء إلي ود مدني مناشدا طلابه بأن يكفوا عن ما يفعلون وأن يعودوا لديارهم إذ أن الحال المعلن هو طواريء بحق وحقيق ومسموح للشرطة بأن تباشر اقسي أنواع العقاب بما في ذلك الضرب بالرصاص …
إذا قارنا موقف مدير حنتوب في ذاك الزمان الجميل الذي كانت تسود فيه المحبة والالفة بين المدير والطلاب وماحدث طيلة عهد الإنقاذ البغيض في الجامعات السودانية إذ أنه بمجرد أن تحدث مظاهرات من الطلاب يقوم مدير الجامعة بنفسه باستدعاء الشرطة للبطش والتنكيل بأبنائه الطلاب …
ونجحت ثورة أكتوبر وسقط العسكر وحلت محلهم حكومة أكتوبر التي شكلتها جبهة الهيئات وتنفس الشعب من جديد نسائم الحرية … وظهر من الأغاني والأناشيد ما ظل أثره مرسوما في ذاكرة الشعب حتي اليوم وبرز مطربون كبار أشهرهم محمد وردي ومحمد الأمين الذي أبدع في الملحمة من شعر هاشم صديق …
كان الطلاب في ذاك الزمان يبادرون ولا ينتظرون جهة ما لتحضر لهم الحافلات والسندوتشات والعصائر ليخرجوا في مظاهرات موجهة ومفصلة ومدروسة لتخدم غرضا معينا لصالح السلطة … فالطالب في عهد التيه الانقاذي والمؤتمر الوطني الفاسد الخليع كانت إرادته مسلوبة ومصادرة لأن الجامعات مراكز الوعي والإرشاد أصبحت السياسة فيها محرمة والمسموح به هو التوجه الاحادي الذي جعل العنف يبيض ويفرخ وتحول الطلاب إلي مردة يسفكون دماء بعضهم البعض في برود ولا مبالاة وغابت الحكمة تماما وأصبح التسامح كلمة لا محل لها في القاموس …
كنا في حنتوب عندما نخرج من الفصول في استراحة قصيرة عند الظهيرة نتوجه هنا وهناك وخاصة للداخليات للشرب ويومها لم تكن هنالك ثلاجات ولا مبردات ماء بل كانت هنالك ( المزيرة ) الشهيرة بازيارها المصفوفة في الق وجمال تحمل الماء الصافي النمير … يقف الطلاب أمامها دون صفوف يشربون الماء دون صخب وضوضاء والكوب يمر من شخص إلي آخر دون أن يتخطي أحد حدوده في نظام وديمقراطية واحترام والويل كل الويل لمن تمتد يده ليشرب قبل أن يحين دوره … هنا سترمقه كل العيون الواقفة بازدراء حتي يقع الكوب من يده ويكون في ذلك درس له حتي لا يتجرأ مرة أخري علي استعجال أخذ شيء متخطيا الآخرين أصحاب الحق …
نواصل .

حمد النيل فضل المولي عبد الرحمن قرشي .
خريج حنتوب ١٩٦٨ .

ghamedalneil@gmail.com

عن طارق الجزولي

طارق الجزولي

شاهد أيضاً

الثور في مستودع الخزف!

مناظير الخميس 26 يونيو، 2025مِن سخرية الأقدار أن الانقلابي عبد الفتاح البرهان سيشارك في مؤتمر …

اترك تعليقاً