أزمة سد النهضة الأثيوبي مرة أخرى: غفلة الدولة والمحصلة النهائية للغباء الإستراتيجي .. بقلم: حاتم أبوسن

 

habusin@yahoo.com

جاء في الأخبار أن وزارة الري تدعو المواطنين لإتخاذ الإحتياطات اللازمة لتجاوز آثار الملء الأحادي لسد النهضة و أن وزير الري قال بأن علي المواطنين و المعنيين بقضية سد النهضة اتخاذ الإحتياطات اللازمة لتجاوز أثار الملء الثاني.
هل من الممكن أن تصل الدولة السودانية دركا أعمق من هذا؟ هذا هو نفس الوزير الذي بمساعدة آخرين أدخل البلاد في هذا المأزق الشنيع و كان يدافع دفاعا أعمي و غير مبرر عن هذا السد دون هدي أو دليل و لا يزال يمارس التضليل بأن القضية هي مسألة تنسيق الملء و لكن حقيقة الأمر ليس كذلك! القضية يا سيادة الوزير الهمام ليست تنسيق الملء! القضية أيها الوزير العبقري وأيها الخبراء هي قضية أمن قومي أولا و أخيرا و هنا يتعلق الأمر بمسألتين أساسيتين هما موقع السد المريب علي الحدود السودانية و سعته التخزينية. أما مسألة التشغيل فهي واحدة فقط من الأسباب و الإحتمالات التي يمكن أن تقود للكارثة و يمكن أن يضاف لها أي مشاكل في التصميم و التشييد و ترتيبات الصيانة و احتمالات أخطر بوجود مشاكلو ضعف في أساس سد الخزان السروجي كما أقترحت دراسة الإم أي تي و تقرير لجنة الخبراء و المشكلة كانت في الفشل الشنيع في حماية مصالح الدولة السودانية و تعريض مستقبل الإنسان السوداني لمخاطر غير مسبوقة و غير ضرورية والإستهتار لدرجة إهمال الاستعانة بجهات مختصة و مقتدرة و مؤهلة لتقييم و دراسة السد قبل توقيع أي موافقة علي أي مستوي من المستويات و إضاعة فرص متكررة لإثار موضوع أمن السد و خطورته علي السكان. حقيقة فإن الجنون بعينه هو قبول السودان من الأساس لهذا السد بهذه المعطيات.
كل ما يدور الآن في السودان من هرج و صراع و تراشق بين القوي السياسية لا يسوي شيء في وجه التهديد الحقيقي الذي يمثله السد الأثيوبي الذي من المفترض تسميته بسد دمار السودان. كل الصراعات السياسية وقضايا التغيير وتداول السلطة و حتي الصراعات الإقليمية و التدخلات الأجنبية و كل شيء علي الطاولة الآن يمكن أن يتم تصحيحه مستقبلا وبطرق مختلفة و هنالك متسع من دون الوقت لذلك، أما قضية السد فإن نتائجها الكارثية و تأثيرها علي مستقبل السودان أمرأكبر من عقل و مخيلة الدولة السودانية و أصحاب المقدرات المتواضعة من الممسكين بأمر هذا الملف الشائك. فالسودانيون مشغولون الآن بقضايا صغيرة مقارنة بالخطر الكبير لهذه القنبلة المائية التي ستغير مستقبل بلادهم و إلي الأبد و يصعب علي المرء أن يستوعب أن دولة كاملة بكل أجهزتها السياسية و الحربية و الأمنية تقف حائرة غافلة عن مهدد لكيانها و وجودها وتعتمد علي وجهات نظر قلة قليلة من أدعياء المعرفة و الخبرة ممن يودون تطبيق حدود معرفتهم في ما يفقهون علي ما لا يفقهون و من في السودان لديه المعرفة و الخبرة و التأهيل العلمي ليكتب شهادة ضمان لسد يمكن أن يدمر البلاد و يمسحها من الوجود مرات عديدة ، و حتي إذا إفترضنا وجود مثل هذه المقدرات كيف يمكن تحرير مثل هذه الشهادات في غياب المشاركة المباشرة في المشروع و الإلمام بكل تفاصيل التشييد و المشاركة فيها بعيدا عن الرومانسية السياسية التي زينت لهم فكرة سمجة مفادها أن أثيوبيا تنشيء سدا يضاهي في فوائده للسودان فوائد السد العالي لمصر . هذا التفكير السطحي يهمل فكرة أن السد العالي لمصلحة مصر هو سد بناه المصريون و يسيطرون علي فوائده و يسهرون علي حمايته و هذا مفهوم أما سد النهضة فإن فوائده للسودان لا تضاهي مخاطره الكبري و حتي طاقته الكهربائية هي ملك لأثيوبيا و ما فائدة هذه المزايا إن كانت تحت سيطرة دولة أخري؟ هل من الممكن أن يكون هنالك قصر نظر أكثر من هذا؟
أن ما تفتقت عنه عبقرية وزير الري السوداني مؤخرا بأن ثمة أخطار تحدق بالسودان بسبب هذا السد و فشل المفاوضات الأخيرة هو ببساطة ما ظل يردده عامة الناس من المواطنين الحادبين علي مصلحة بلادهم و ما ظل ينكره عليهم نفس هذا الوزير بصلف و غرور و إمتلاك حصري للمعرفة غير مثبت أو مبرر لدرجة التهكم من المخاوف المنطقية من خطر السد و رفع العبء عن إثيوبيا بتحرير شهادة السلامة المسبقة فيما يتعارض مع أبسط قواعد المعرفة بالقوانين الدولية التي تحكم هذه الأمور لأن مثل هذه الإفادات سوف تستخدم في تعزيز الموقف القانوني الإثيوبي و تقلل من مسئولية إثيوبيا القانونية والأخلاقية حالة حدوث الكارثة.
و حقيقة فإن الخطأ الإساسي هو في التعامل مع موضوع السد عن طريق وزارة الري حيث أنه و إن كان للموضوع علاقة فنية بوزارة الري فهو يتجاوزها لقضايا أمنية حربية مصيرية معقدة جدا فموضوع السد ليس موضوع هندسي أو قانوني كما يتوهم البعض موضوع السد هو موضوع استراتيجي بكل ما تحمله الكلمة من معاني و حتي الجانب الفني يتجاوز مقدرات وزارة الري السودانية و يحتاج فنيا للاستعانة بخبرات أكبر .
تابعنا قبل حوالي ستة أشهر إنهيار جزئي لسدي ايدنڤيل و سانفورد بولاية متشيغان و هما سديين صغيرين جدا مقارنة بسد النهضة الأثيوبي ما يلفت النظر تكوين لجنة للتحقيق في أسباب الكارثة بأعضاء ذوي تخصصات دقيقة جدا في مسألة السدود تتضاءل أمامها مقدرات خبرائنا الممسكين بملف السد في السودان و من شايعهم الرأي من المهندسين ذوي المقدرات المتوسطة و العادية الذين يفتون في هذا الأمر المهول و يحررون شهادة السلامة دون معلومات واقعية و وقوف عملي علي المشروع الذي تتحكم فيه إثيوبيا مطلقا و تمارس أعلي درجات السرية و التعتيم.

وكان ينبغي للدولة السودانية أن تتعامل بوعي و مسئولية و أن تستثمر و تصرف بسخاء للاستعانة بجهات اكثر خبرة وتخصص و تجربة عملية و معرفة علمية شاملة متخصصة في سدود و خزانات بهذا الحجم و ألا تتورط في التوقيع ولا الموافقة قبل تحديد سعة المياه الآمنة و استيفاء كل الضمانات للتنفيذ الشفاف و التشغيل المشترك و كل هذه الأشياء يكفلها القانون الدولي و مباديء العدالة و بمجهود بسيط كان بإمكان السودان إثارة مسألة سلامة و أمان السد و جعلها القضية الأساسية له باعتبارها كذلك و لمرتبتها في الأهمية التي تضعها أعلي درجة من مطالب مصر و أهداف إثيوبيا فمطالب مصر المائية سوف تسوي مستقبلا بشكل أو آخر و لن تعطش مصر في الوقت القريب لأسباب منطقية و لكن التفكير المصري تفكير استراتيجي بعيد المدي و لا تلام مصر علي ذلك، و بالنسبة لأهداف إثيوبيا التنموية المعلنة فتلك يمكن تحقيقها عن طريق بدائل أخري و لاينبغي أن تبني أثيوبيا مشاريعها التنموية علي أنقاض الدولة السودانية لذلك فالمتضرر المباشر الآن هو السودان وخيار السودان الوحيد كان ينبغي أن يكون معارضة السد و منع قيامه بكل السبل و في نهاية الأمر و للتاريخ ينبغي أن يفهم وزير الري و من سبقه و شايعه الرأي أن محاولاتهم للتنصل من المسئولية التاريخية لتوريط السودان في هذا المأزق لن تجديف القضية ليست هي التشغيل كما يصر هذا الوزير الهمام. القضية هي موقع السد و سعته التخزينية ، ببساطة وجود هذا الخزان بهذه السعة التخزينية المقترحة هو الخطر الحقيقي و المباشر و تتعدد بعدها الأسباب و الإحتمالات و كلها تؤدي للكارثة.

عن طارق الجزولي

طارق الجزولي

شاهد أيضاً

الثور في مستودع الخزف!

مناظير الخميس 26 يونيو، 2025مِن سخرية الأقدار أن الانقلابي عبد الفتاح البرهان سيشارك في مؤتمر …

اترك تعليقاً