عندما بدات شرارة ثورة ديسمبر المجيدة ضد طغمة الإنقاذ البائدة كان الجميع يدفعهم الحماس والتصميم والإصرار علي اقتلاع ذلك النظام الفاشي الدموي الفاسد من جذوره تماما .. كانت الإرادة متوفرة عند الجميع .. بل كان هناك إجماع بأن فجر الحرية لا محالة آتي لأن الناس حزمت أمرها بأنها لن تتراجع عن ثورتها مهما كان الثمن غاليا وبالفعل كان مهر الثورة تلك الدماء الزكية الطاهرة وأرواح الشهداء التي بذلوها رخيصة من أجل تحرير البلاد وعزة وكرامة العباد ..
إنتصرت الثورة وذهبت فلول العهد البائد الي مزبلة التاريخ وهي في دهشة من أمرها وغير مصدقة بتلك النهاية المذلة لنظام كان يحلم بحكم البلاد إلي قيام الساعة .. كان صقور طغمة الإنقاذ البائدة يتفوهون لمعارضيهم بعبارات مستفزة من شاكلة .. الحس كوعك .. سوف تنوموا نومة أهل الكهف قبل أن تحلمو بالتغيير .. لن نسلم سلطة الحكم في البلاد إلا للمسيح عليه السلام .. هكذا وصل بهم الصلف والغرور والاستهزاء بإرادة شعب كامل ظل تحت وطأة الظلم والفساد والمحسوبية لثلاث عقود متوالية .. لقد نسوا أن الله يمهل ولا يهمل فانساهم أنفسهم وتركهم في غيهم يعمهون .. ولكن هيهات فقد اذلهم الله لأنه هو وحده المتجبر المتكبر ..
انتصر الشعب لكرامته ورفع شعار الحرية والسلام والعدالة ليكون نبراسا لحياته ومستقبله وتبقي له فقط العشم في قيادة رشيدة ذات كفاءة عالية ووطنية راسخة تتولي زمام الأمور لتحقيق كل طموحات وآمال هذه الثورة العظيمة ..
الشارع العريض هو الذي تحدي النظام البائد .. الشارع كان هو القائد والوقود الذي ظل مشتعلا طوال أيام الثورة .. خرج الشارع بدون مظلة الأحزاب وغطاء الحركات المسلحة التي كانت تقاتل النظام من أجل مصالحها الإقليمية .. خرج الشعب متعاونا مع منظمات المجتمع المدني وتجمع النقابات الوطنية .. كان الحراك عفويا من الشيب والشباب والنساء والأطفال بهدف التغيير السلمي لعهد جديد مهما كان الثمن ..
لم يكن في الحسبان عند إنتصار الثورة أن هناك نخب كانت متربصة بها .. هذه النخب لم تفصح عن نواياها إلا بعد الشروع في تكوين هياكل الحكم ومؤسساته السيادية والتنفيذية .. لقد بدأ العد التنازلي للثورة عندما وجدت نفسها عند مفترق الطرق بدون برنامج منظم ومدروس يحوي أهم تفاصيل ملامح الفترة الإنتقالية والتي يأتي علي رأسها دستور مؤقت يحدد علاقة أجهزة الحكم السيادية، التنفيذية، التشريعية والقضائية .. أيضا أدي غياب برنامج الثورة للتراجع عن مدنية الحكم والقبول بمشاركة العسكر في تقاسم السلطة ..
للأسف تم سرقت الثورة وهي في طور المهد من تلك الجماعات الانتهازية التي دائما ماتنصب نفسها وصية علي مصالح البلاد والعباد كلما انتصرت ثورة او لاحت في الأفق فرصة للتغيير .. آفة السودان هي في عبادة الأشخاص والأنساب .. إذا لم يتم الانعتاق من هذا الداء سوف نظل مكبلين علي الدوام بنخب قصيرة النظر و محدودة التفكير .. نخب أدمنت الفشل لعهود متواصلة ومازالت متمسكة بالوصايا علي حكم البلاد .. نحن مازلنا نخشي التجديد ونتمسك ونصر علي تجريب المجرب !! .. آخر مسمار في نعش الثورة كان عندما اتفقت النخب الانتهازية علي المحاصصة في إدارة شؤون البلاد وتقسيم كيكة السلطة علي الطفيليين أصحاب المصالح الشخصية وهنا انشغل الناس في توزيع الغنائم .. حتي الأحزاب السياسية والحركات المسلحة سال لعابها لكيكة السلطة ونسوا جميعا أن هدفهم الأساسي هو التمهيد لفترة ديمقراطية يأتي علي راسها تنظيف البلاد اولا من دنس سلطة الإنقاذ البائدة وتفكيكها من أجل ضمان قيام إنتخابات حرة نزيهة بعد انتهاء الفترة الانتقالية المتفق عليها ..
انتهزت الفلول فرصة انشغال النخب بالمحاصصات والامتيازات كما كان يفعل سلفهم البائد .. للأسف لقد نسيت النخب الانتهازية أن هناك عدو متربص بالثورة مازال يملك كل عتاده واسلحته التي لم يتم بعد تجريده منها .. وهذا للأسف ما نشهده اليوم حيث تعمل الفلول وفي وضح النهار وبكل قوتها علي إفشال كل سياسات الإصلاح خاصة الإقتصادية والإجتماعية وذلك من أجل إسقاط الثورة وتحقيق حلم العودة للسلطة مرة اخري .. كل ذلك يجري وحكومة النخب الفاشلة والمحاصصات في غفلة ونوم عميق غير مبالية بمعاناة الناس التي فاقت حدود الصبر وكأنها تمد لسانها لهم قائلة هذا ما اقترفته أيديكم ..انتهزت الفلول فرصة الغفلة لتعمل جاهدة وبشدة علي إشاعة الإحباط وبثه في نفوس الناس والحكومة ممثلة في نخبها الضعيفة تقف متفرجة وتتجاهل مشاعر الناس ولا تدري بالخطر الذي يحوم حول البلاد وأهله .. لذلك نحن محبطون
د. عبدالله سيد احمد
abdallasudan@hotmai.com
3/6/2021
سودانايل أول صحيفة سودانية رقمية تصدر من الخرطوم