انغماس العامة في السياسة لذات مجانية تقود لاختلال المجتمع … بقلم: محمد أحمد عمر

ظل الشعب السوداني على مرّ السنوات سياسياً بامتياز، لكن مع ضغط الحياة والمعاناة وضنك العيش في عهد الانقاذ واستمرار هذه الأزمات بل تفاقمها بعد ثورته المجيدة، إزداد الانغماس في السياسة من قبل العامة وأصبح الحديث حولها يحتل مساحة كبيرة من وقت الناس مع تسليمنا بأن المدخل دائما يكون الوضع الاقتصادي البائس، إلا أن الأمر تحول الى ما يمكن ان يكون ظاهرة، اعتبرها الكاتب الفرنسي جورج ديهاميل بأنها “أشد الأزمات خطورة” في كتابه “دفاعاً عن الأدب” الذي صدر قبل أكثر من 80 عاماً.
كما ذكرت “الحديث الزايد في السياسة” ناتج عن المعاناة التي ظلت ملازمة للإنسان السوداني، وقد سمعت كلمة للفنان الراحل الكبير محمد وردي أن السياسة هي صحن الفول “معاش الناس” بمعنى أن توفر وجود هذا الصحن هي أهم مقاصد السياسة والسياسي، لكن أن تسيطر أمور السياسة والحديث حولها على اذهان السواد الأعظم من عامة المواطنين تصبح فعلا كما وصفها ديهاميل من اللذات المجانية لأنها “لا تكلف شيئا”.
كتاب ديهاميل الذي استعرضته وكالة رويترز قبل نحو 4 سنوات بعد أن ترجمه إلى العربية المصري محمد مندور الملقب بشيخ النقاد العرب، يضع تفاسير لهذه الظاهرة ويحذر من “شهوة السياسة” ويعتبرها “لذة الفقير… عندما نرى الحمى السياسية قد وصلت إلى أناس كان من الواجب أن يظلوا بعيدين عنها بحكم أذواقهم… يدل ذلك على.. اختلال عميق الخطر في حياتنا الاجتماعية”.
هذا الاختلال الاجتماعي ربما يصيب مجتمعنا اذا استمر الحال بهذه الوتيرة، الان كل وسائط التواصل الاجتماعي والمنتديات ومجالس الانس، القاسم المشترك فيها هو الحديث في السياسة وبكل أسف مع طغيانه الا أن التعاطي دائما يصاحبه التجاذب والطابع الجدلي بغير نظرة عميقة ليتحول لنقاش هادف أو يصل لنهايات مفيدة، ووصل الأمر الى أن حتى الهلال والمريخ وخيباتهم التي كانت مسيطرة على اذهان وعقول فئة ليست بالقليلة إلا أنها انزوت بعيدا لصالح الحديث عن قحت والدولة العميقة والكيزان والبرهان وحميدتي وحمدوك.
حكى لي أحد الزملاء من أحدى الدول العربية أنه سافر في مهمة بصحبة وفد حكومي الى كوريا الجنوبية، برئاسة وزير الاقتصاد بهدف إجراء اتفاقيات ومشاريع تعاون اقتصادي، وأثناء المحادثات وخلال احدى فترات الراحة جلس الوفدان، وبكل عفوية من وزير الدولة الزائر لابتدار الحديث والخروج من أجواء الاجتماعات، تحدث عن توترات كانت الليلة الماضية بين امريكا وكوريا الشمالية بسبب تهديدات الاخيرة للجنوبية، فكانت المفاجاة رد الوزير الكوري بأنه لا يعلم عنها شيئا مبرراً ذلك انه لا يهتم بالامور السياسية، وفعلا لو كان يهتم بهذه الأمور التي لها وزراء متخصصون، ما كانت وجدت بلاده وقتا لتصنيع الهيونداي او الكيا او السامسونج وغيرها من ألاف المنتجات التي تسيطر على الاسوق العالمية.
ويقترح لنا ديهاميل في سفره الرائع بدلا من وضع القضايا السياسية الآن في أغلب الحوارات، أن يكون العمل السياسي “حرفة… توضع في يد المحترفين… في هيئة محكمة البناء سديدة الإدارة. لا يجوز أن يخصص الرجل العادي من وقته للسياسة أكثر مما يخصص للبس ملابسه في الصباح”.
ويضيف أن “الشعب الذي يضطر راضيا أو كارها إلى أن يخصص خير وقته وخير ما في نفسه لمسائل السياسة ليلوح لي في حالة انحلال” حيث يرى أن انخراط عموم الناس في أمور السياسة داء مخيفا”.
ما نراه من استفحال لهذه العلة في مجتمعنا خصوصا هذه الايام، يجعلنا نتخوف من أن نصل الى المآلات التي ذكرها الكاتب الفرنسي، فما اجتمع إثنين الآن إلا وكان اغواء الحديث في السياسة ثالثهما، ولا جلس ندماء في جلسة انس الا وكانت السياسة هي فاكهة الحديث.
يجب ان نفرق بين ما سميته بظاهرة انغماس العامة في السياسة، والفعل السياسي اذا واجه الوطن المخاطر، فالكل في هذه الحالة مطلوب منه التحرك بايجابية. عندما سطر الشعب التركي خلال محاولة الانقلاب العسكري الفاشلة قبل أربع سنوات، ملحمة تاريخية بوقوفه في وجه دبابات الجيش بصدور عارية، لم يكن هذا الشعب جالساً هذه اللحظة في منتدياته السياسية يمارس طق الحنك ويناقش ويحلل الموقاف السياسية، لكنه هب كل من موقعه من غير توجيه سياسي او حزبي ليدافع عن حريته، وهذه الملحمة التي سطرنا نحن مثلها في السودان نماذج مماثلة أكثر من ثلاث مرات، لم يكن يجدر بنا أن نجلس بعدها لنحكي ونتجادل حولها او عن ما بعدها، بل نترك الميدان لأهل السياسة ونذهب لأعمالنا، كل الساسة لهم خيباتهم لكن لو فرغنا انفسنا للحديث عنهم لن نضيف شيئا بل العكس سنكون عامل إثارة وخميرة عكننة.
طريق النهضة أمامنا طويل ولن يكون مفروشاً بالورود لكن هذه الظاهرة اذا لم يتم التداول حولها والسعي للمعالجة بالمزيد من التوعية من النخب المثقفة وكتاب الرأي ربما تعيقنا كثيراً وتشوه اي تجربة يمكن أن تحمل بذرة أمل.

محمد أحمد عمر
Mohd0019@gmail.com

عن طارق الجزولي

طارق الجزولي

شاهد أيضاً

البرهان كطاغية يتشوَّق للطغيان!! .. بقلم: عبدالله مكاوي

abdullahaliabdullah1424@gmail.com بسم الله الرحمن الرحيم يبدو ان البرهان ككل طاغية مستبد، يطابق بين بقاءه في …

اترك تعليقاً