إن صح القول والإدعاء أن أستاذنا الطيب صالح هو عبقري الرواية العربية وهو بالحق كذلك، فإن الأستاذ نجيب محفوظ يُعتبر شيخ الروائيين العرب. فالأستاذ نجيب محفوظ قد حلق بالرواية العربية لآفاق غير مدركة، فقد استطاع أن ينسج من واقع الحارة معظم اعماله الأدبية وأن يُعمِل فيها إشارات لماحة للصراع الأبدي بين الخير الشر كما فعل في رواية الحرافيش.
وسكب في ذات الصراع شحنات فلسفية ظلت الناس فيها تختصم بين مستمتع ومستنكر في رائعته أولاد حارتنا. فقد حلق في هذه الرواية الي أمداء فاقت حد الجرأة الأدبية لتنفذ لعوالم نتشوية(نسبة لفردريك نيتشة) مذهلة فقد وظف فكرة ما يعرف “بموت الإله” لتأكيد أن الإله نفسه يبارك العلم ويجل العلماء ويرضى عنهم طالما كان استكناه الحقيقة هدفهم، والبحث عن المعرفة غرضهم، وإزالة اللبس والغشاوة غاية ما يصبون إليه. لم يورط الأستاذ نجيب محفوظ نفسه في حبائل المباشرة الفجة، فقد إستطاع بحنكة روائية فذة تعرف كيف تبلغ مقاصدها أن يأخذ يد القارئ لتخوم المنطقة التي يريد أن يطلعه عليها، فما أن يبدأ التحليق وتظهر معالم تلك العوالم حتى يعود به الي واقع الحارة حيث الفتوات، والنبابيت البوظة والنساء والظلم والعدل. فيُحار القارئ في كنه الوجهة التي قصدها الكاتب، فهو يطالع شيئآ من واقع الحارة بينما تومض في ذاكرته إلتماعات سيرة ما لشخص مر على القارئ في وقت ما من طفولة باكرة، فما أن تستبين ملامح الشخصية حتى تجدها إنسان عادي وُلد من رحم الحارة نذره الجد الأكبر لمهمة ارجاع الأوضاع لنصابها… فما أن يسود النسيان واقع الحارة حتى يطل آخر يحمل ذات الرسالة بذات القوة والشكيمة ليصرع الشر. وهنالك تخاطب الرواية ذوي الفطن الذين ينفذون لجوهر الأشياء دون أن تستوقفهم قشورها. فلا شيحون بوجههم عن معالم الإبداع و لا تنتفخ أوداجهم بالرفض القاطع لتلك الجرأة.
بذات النسق الحاذق في سرد الأحداث تتجلى ملكة الأستاذ نجيب محفوظ في امتلاك بعد الزمن في تضاعيف الرواية، فتشهد عند ثلاثيته البديعة السرد الزمن يتغلغل في الحكي عن أسرة احمد عبد الجواد كحالة مركزية في صناعة الأحداث يتمدد من خلالها العمل الروائي عبر مختلف الحقب السياسية والاجتماعية التي تلقب فيها المجتمع المصري. فإن أُعتبِرت الثلاثية تاريخ للعائلة Saga فإنها بالقدر نفسه تاريخ للتقلبات السياسية الحادة التي مرت على المجتمع المصرية، فهي شاهد تاريخي ومقام لإستعراض مكنونات الشخصيات في مختلف تجلياتها فهي تعبير عن حالة الاستبداد الذكوري التي مثلها رب الأسرة احمد عبد الجواد في وجه زوجته الخاضعة الخانعة. حتي صار تعبيرها (سي السيد) رمزاً لشخصية الرجل / الزوج المستبد. وحالات نفسية وفكرية ووجدانبة ووطنية ونزوية تظهر معالمها في حالة مستديرة من الزمن للحكي عن مختلف الشخوص مع الاحتفاظ بالخط المستقيم من الزمن الذي تتقلب في أحداث الرواية.
في رائعته حديث الصباح والمساء وعلى امتداد العمل الروائي يستعرض الأستاذ نجيب محفوظ قصة وجود الإنسان من لحظة الولادة الي حالة الموت. فما أن يظهر مولود حتى يتوفى آخر… يصور الأستاذ الحياة كمرحلة ما أن تبدأ بصرخة ميلاد حتى تنتهي عند نقطة ما بمصيبة الموت كنهاية حتمية تنسف فكرة الخلود لبني البشر. فالموت ينهي حياة الغني والفقير والكبير والصغير.
والموت ذاته كان مصير أستاذنا الكبير إلا انه يُتعبر موت كبير لروائي كبير حُظي بكل ذلك القدر من الطاقة الخلاقة، فأحال عوالمنا وحيواتنا لنقاط للتأمل والتفكر والإستبصار.
د.محمد عبد الحميد
سودانايل أول صحيفة سودانية رقمية تصدر من الخرطوم