بسم الله الرحمن الرحيم
كانت المحاولة الانقلابية الفاشلة محطةً مهمةً لمراجعة مسيرة ثورة ديسمبر عبر تلمس مواقف المكونين المدني والعسكري اللذان يشكلان الفاعلان الرئيسيان في الساحة الداخلية، وكذلك مساعدة المراقبين والشركاء الآخرين على معرفة ردود الفعل الداخلية والخارجية على ما يدور بينهما من سجال ومواقف. وقد أتاحت المحاولة ايضاً فرصةً نادرة لاخراج الهواء الساخن من الصدور، وعرض ما يدور خلف الكواليس والغرف المغلقة من تباينات ومشاكسات على الهواء الطلق، الأمر الذي وضع المجتمع الإقليمي والدولي والشارع السوداني في الصورة الحقيقية التي كانت تغبشها كلمات الطرفين المعسولة حول قوة الشراكة بين المكونين المدني والعسكري وتماسكها التي ملأ الطرفان بها وسائل الاعلام المحلية والخارجية.
استغل الطرفان المتشاكسان الفرصة (لعرض حال) الشراكة على الملأ، لاستمالة الشارع الذي ينظر الى ما يدور بينهما من تناقضات وتجاذبات بقلقٍ كبير، حيث سارع رئيس الوزراء باصدار بيان محمل بالرسائل التي قصد توجيهها للمكون العسكري باطنها اتهام غليظ باهمال واجباته الأمنية وموالاة انصار النظام السابق وترك الحبل لهم على الغارب لزعزعة استقرار الحكومة كما يحدث في شرق السودان، ولم ينتظر المكون العسكري كثيرا فالتقط الكرة ليردها بقوة في مرمى الطرف المدني، كاشفاً عن غبنٍ محتقن سببه اقوال وافعال المكون المدني التي اعتبرها غمزاً في قناته ومحاولة لتحريض الشارع الثوري عليه، وساق اتهامات غليظة حول الاستهداف الممنهج له من قبل شريكه المدني، وابان بوضوح عدم رضاه عن اداء المدنيين في الجهاز التنفيذي واتهمهم بالاهتمام بالمحاصصات والكراسي اكثر من اهتمامهم بمعاش الناس ومواجهة التحديات التي تواجه البلاد.
تبادل الاتهامات بين الطرفين في اعقاب فشل محاولة الانقلاب دفع المجتمع الدولي المهتم بمآلات الاوضاع في السودان والشارع السوداني لإبداء ردود افعال كشفت عن سرعة وتفاعل عميق مع اصداء الازمة، حيث توالت الادانات الدولية للانقلاب من فاعلين دوليين مؤثرين كالامين العام للامم المتحدة، والرئيس الامريكي والكونجرس والاتحاد الاروبي والاتحاد الافريقي وعدد من الاطراف الإقليمية والدولية المراقبة للشأن السوداني التي ارسل البعض منها رسائل تحذيرية مبطنة من محاولات اجهاض مسيرة التحول الديمقراطي عبر ضرب الشراكة او السماح بعودة النظام السابق عبر الانقلاب او التسلل من خلف الكواليس.
ردة فعل الشارع السوداني كانت هي الأهم، فرغم ضجيج وسائل التواصل الاجتماعي بالادانة والاستنكار من جماهير الثورة للمحاولة الانقلابية، الا ان الامر لم يتعدى الاقوال الى الافعال كما حدث في مليونيات الثوار دعماً للمكون المدني في السابق، بل الملاحظ ان هناك تراجعاً كبيراً في تأييد هذه الجماهير للحكومة المدنية في نسختها الحالية التي تتصدر المشهد فيها شخصيات مثيرة للجدل من احزاب صغيرة يعتقد غالبية الجمهور انهم السبب الرئيسي في بؤس ممارسة الجهاز التنفيذي للسلطة وتخبطه وفشله في رتق فتوق العلاقة بينه وبين المكون العسكري مما قاد الى الاختناقات السياسية الواضحة للعيان والى تردي الاوضاع الأمنية والمعيشية في البلاد وضياع وجهة بوصلة ثورة ديسمبر.
ويبدو ان ردات فعل المجتمع الإقليمي والدولي والشارع السوداني التي وصلت واستوعبها الطرفان هي بمثابة الضارة النافعة، اذ سرعان ما بدأ المكونان في تحسس الأرض تحت اقدامهما والتي من الواضح انها غير ثابتة وربما متحركة وقابلة للمزيد من التحرك اذا استمرا كالعادة في التجاهل ودفن الرؤوس في الرمال وانتظار هدوء العاصفة ليعاودوا تكرار نفس الممارسات البائسة السابقة دون الاستفادة من معطيات ما بعد المحاولة الانقلابية الفاشلة.
وقد اتضح جلياً أنه ليس امام الشريكين الا قلب صفحة تنفيس الهواء الساخن من الصدور التي اعقبت فشل المحاولة الانقلابية والالتفات الى تعزيز مشتركات الشراكة بينهما، والعمل معاً ومع بقية أطراف المعادلة بجدية لانقاذ ما يمكن انقاذه، واستكمال الملفات العالقة ابتداءً من قيام المجلس التشريعي، والمحكمة الدستورية وتكوين المفوضيات التي نصت عليها الوثيقة الدستورية، واختيار رئيس للقضاء والنائب العام، وتنفيذ بند الترتيبات الأمنية، والاهتمام بادارة الدولة بمرونة وسلاسة وتوافق، لمعالجة الاختلالات السياسية والاقتصادية والأمنية، ولن يتأتي ذلك الا عبر التداعي الى اجتماع تفاكري مغلق (Retreat) لعدة ايام يضم الفاعلين في الحكومة الانتقالية بشقيها المدني والعسكري والموقعين على اتفاقية سلام جوبا، لبحث الخلافات والتحديات ووضع خريطة طريق لعلاجها، والاتفاق على نهجٍ جديد لانجاح الشراكة حتى تتمكن سفينة الحكومة الانتقالية من الابحار نحو مرفأ الانتخابات الحرة النزيهة التي تمهد للانتقال الى عهد ديمقراطي كامل الدسم بحكومة مدنية منتخبة تتولى ادارة شؤون البلاد والعباد في آجال ومواقيت محددة وفق مبادئ واهداف ثورة ديسمبر الخالدة…
من الواضح ان الشكوى وبث الشجن عبر الأثير لا يغني عن الالتفات الجاد لمعالجة الاختلالات عبر ايجاد المقاربات وتقديم التنازلات…وعلى الطرفين ان يتوقفا عن التحشيد والتحريض والاكثار من الاجاويد (العدول)…ومكرهاً اخاك لا بطل…
محمد علي مسار الحاج
الخرطوم
٢٥ سبتمبر ٢٠٢١
mohamedmassar@yahoo.com
سودانايل أول صحيفة سودانية رقمية تصدر من الخرطوم