الأنساق الثقافية المضمرة و دورها في انتاج النظم السياسية .. بقلم: طاهر عمر 

في حيز المجتمع السوداني، لم تدرك النخب السودانية، حتى اللحظة أنها نخب مجتمعات تقليدية. لم تعطي نفسها، فرصة إلتقاط أنفاسها، و تجميع صفوفها و مواجهة نفسها، بمسألة عجزها لفهم ما يدور حولها في العالم. حتى تستطيع تحديد اتجاه مسارها الفكري، الذي يواجه مصاعب العالم الحديث التي تمسك بتلابيب بعضها البعض، في سلسلة لا متناهية، و لا يمكن مجابهتها بفهم تقليدي لظواهر المجتمع، و كيفية تغير مفاهيمة، بالتالي لا يمكن الركون الى أفكار تحاول تقديم حلول نهائية، كما يعتقد كل من أتباع الحركات الاسلامية في السودان، و أتباع أحزاب الطائفية، و السلفيين و كذلك أتباع نسخة الشيوعية السودانية. لهذه الأسباب، نجد النخب السودانية، غير قادرة على مراجعة أفكارها، و تصحيحها لذلك نجد في حيز النخب السودانية مسألة قبول رجل دين كالامام الصادق المهدي و اعتباره مفكر سياسي.
اعتبار الصادق المهدي كرجل دين بأنه مفكر ناتجة من بناء هش لهياكل و تركيبات المجتمع السوداني الخانع لسلطة الأب و ميراث التسلط و هذا يفتح الباب لتطفل العسكر على ممارسة السياسة بفهم مفهوم التسلط كما رأينا في إنقلاب البرهان و كيف كان يردد كلمة وصاية الجيش على الشعب و هو يتحدث كمعبر عن أنساق ثقافية مضمرة و هي التي تعطيه الدوافع ليقول كلام يرى في أنه مقبول في نظر مجتمع و لا يدري بأنه مجتمع تقليدي و ما ثورة ديسمبر في مسيرتها إلا محاولة جادة لوضع حد للفهم التقليدي و الفكر التقليدي الذي يجعل عسكري كالبرهان يفتكر بأنه يستطيع ان يحكم. لأن مسالة الحكم عنده و هو عسكري في مجتمع تقليدي لا تعني غير إحكام القبضة على المجتمع مثله مثل التمكين الذي كان في عقل الاسلاميين يعني التمكن من الحكم و القبضة الحاكمة التي تمكنهم من إعادة صياغة المجتمع كما رأينا كيف كان يتحدث مشروعهم الحضاري.
و البرهان نتاج تربية الحركة الاسلامية و أتباعها و بالمناسبة من أكثر حقب الانحطاط كانت فترة حكم الحركة الاسلامية السودانية لأنها كانت إنزال لرغبات مجتمعات تقليدية يسيطر عليها الفكر الديني و هو أكبر حواضن نظم حكم تسلطية في العالم العربي و الاسلامي. و بالمناسبة نجد هشام شرابي في نقده الحضاري يتتبع أسباب فشل النخب العربية و عدم قدرتها على الفكاك من الخنوع لأنها لم تجابه نفسها و تعترف بأنها تتسلح بفكر متخلف و تريد أن تجابه به أفكار الحداثة.
مثلا بأن الثورة المهدية في السودان في مجابهة الاستعمار و كذلك السنوسية و الوهابية كانت حركات قد أعادت المجتمع لماضي ذهبي متخيل و تريد ان تجابه به واقع الاستعمار و أفكار الحداثة لم تتحقق أفكار قوة الغرب في المجتمعات الغربية إلا بعد إبعادها للفكر الديني. و لهذا السبب أصبح عند النخب السودانية خلط كبير و هو قبول الصادق المهدي كمفكر و هو في الحقيقة رجل دين و هو إمتداد لأوهام مقدرة الفكر الديني لمجابهة أفكار الحداثة و هيهات. لهذا السبب نجد محمد أركون أيضا يؤكد على أفكار هشام شرابي بأن النخب في العالم العربي و الاسلامي خلطت في حربها ضد الاستعمار و استمرت في حربها ضد التنمية و أفكار الحداثة كأنها هي و الاستعمار شئ واحد و هذا خلط مخجل لا ينتج إلا من قبل نخب لا تعرف غير الزج و التعبية.
و نلاحظ أن هشام شرابي منذ وقت مبكر إنتبه لشئ مهم جدا ينبغي أن تتسلح به النخب و تعي بأن الانعتاق من البنى الثقافية الأبوية في العالم العربي و الاسلامي تحتاج لنخب تعي ما يكبلها من عجز و إتكال و هروب من مسؤلياتها و هذا لا يكون بغير وعيها و تخلصها من البنى الثقافية التي تكرس لسلطة الأب و ميراث التسلط ابتداء من البيت و انعكاس في نشاطها السياسي الذي ينتج الدكتاتوريات كانتاج لصورة الأب في الأسرة و إذا سلطنا بؤرة كشاف هشام شرابي علىساحتنا السودانية نجد أن صورة المرشد لأتباع الحركات الاسلامية و مولانا عند أتباع الميرغنية و الامام عند أتباع حزب الأمة و الأستاذ عند أتباع النسخة الشيوعية السودانية ما هي إلا صورة و أنعكاس لسطوة الأب و ميراث التسلط و عليه فقد إنتبه هشام شرابي لشئ مهم جدا بأن الانعتاق لا يتم إلا بكسر طوق القيم المهيمنة على أفق المثقف و يضرب مثلا بنفسه و يقول بأن في عام 1967 قد أعاد قراءة ماركس من جديد استعداد لفصل دراسي جديد كان يدرسه لطلبته في الجامعة و قد لاحظ بأن قراءته لماركس تلك قد هزته هزا لم يشعر به إلا عندما قراء نيتشة لأول مرة عندما كان شابا.
إلا أن هزة قراءة نيتشة كانت عاطفية و لكن و هنا يجب الانتباه الى ماذا استفاد هشام شرابي من إعادة القراءة لماركس؟ لم ير هشام شرابي كما يرى ماركسي الايدولوجية المتحجرة في ماركس و ماركسيته بأنه الأفق الذي لا يمكن تجاوزه بل قراءه كفيلسوف و مؤرخ أثرى الفلسفة و قد أصبح فيلسوف عادي من بين فلاسفة الغرب لا يختلف عن جان جاك روسو لا غيره من بقية الفلاسفة و هذا يخالف إعتقاد أتباع الماركسية المتحجرة التي تعتقد بأن ماركس و ماركسيته أفق لا يمكن تجاوزه و قد وصل هشام شرابي الى منهج قد استخدمه في تحليل حالة المجتمعات العربية و الاسلامية و جمودها في ثقافة سلطة الأب و ميراث التسلط مستخدم علوم ماركس مسنودة بالتحليل النفسي الفرويدي و نجد كذلك استخدامه لعلوم ماكس فيبر فيما يتعلق بالبنى الثقافية و معروف نقد ماكس فيبر لماركسية ماركس في اعتمادها على البنى التحتية و هذا بعدا معرفيا غائب على أتباع نسخة الشيوعية السودانية بأن تقبل بأن يوضع جنبا لجنب مع ماكس فيبر و هنا تأتي أهمية هشام شرابي و قدرته التي ترفعه الى مصاف مفكري الغرب إلا أن هشام شرابي قد ركن لتحليل حالة العالم العربي و الاسلامي و فكرة الأبوية المستحدثة.
نقول ذلك لأن ريموند أرون في نقده و رفضه لماركسية ماركس كان معتمد على علم اجتماع ماكس فيبر حيث أصبح علم الاجتماع بعدا معرفيا في صميم الديالكتيك و هنا تتضح غياب فكرة مهمة جدا من رفوف مكتبتنا السودانية و هي أن هشام شرابي في وضعه فرويد في التلحليل النفسي بجانب ماركس قد أتى بوجهة نظر تبعث عن معادلات السلوك و عندما وضع ماكس فيبر بجانب ماركس جاء بفكرة العقلانية و تصبح العقلانية و الأخلاق أي سلوك الفرد في معادلات تتحرك في أنسجة معادلة الحرية و العدالة و هذا بعدا معرفيا غائب عن أفق النخب السودانية لهذا السبب نجد أن هشام شرابي قد وصل الى نتيجة بأن أحزاب الأيدولوجيات المتحجرة و أحزاب اللجؤ الى الى الغيب لا يمكن أن تحقق طموح الطبقات الصاعدة في العالم العربي و الاسلامي و من هنا يتضح لنا كيف عجزت النخب السودانية في أن تلعب دور مهم في النقلة الفكرية التي تساعد على التحول الديمقراطي مثلا نجد حمدوك قد صادف قلب الثورة في تطبيق اقتصاد ليبرالي قد أعادنا الى حضن المجتمع الدولي و لكنه لم يصادف عقل الثورة لأنه عاجز و غتكالي و هارب لا يستطيع مواجهة الشعب بخطاب مقنع كما فعل روزفلت أيام الكساد العظيم في امريكا و كيف أقنع روزفلت الشعب الأمريكي ببرامجه الأقتصادية.
و بالمناسبة أمثال هشام شرابي و محمد أركون و قدرتهم على شرح حالة العالم العربي و الاسلامي نحتاجهم و لفكرهم في تشريح حالة كساد النخب السودانية و إعتقادها بأن الدين يمكن أن يلعب دور في السياسة كما رأينا دور و محاولة عبد الخالق محجوب منذ منتصف الستينيات و قد واصله محمد ابراهيم نقد في الثمانينيات من القرن المنصرم و نجد هذا الوهم في مسألة علمانية محابية للأديان في كثير من محاولات النخب السودانية بعكس فكر هشام شرابي و محمد أركون و إجتهادهم في مسألة إبعاد الدين لأنه يمثل أكبر حاضنه لسلطة الأب و ميراث التسلط. المهم في الأمر ما نريد قوله بأن هشام شرابي في نقده الحضاري مثلا يرى في مسألة ظهور الطبقات الصاعدة لا يمكن مواعين طموحها في أحزاب اللجؤ الى الغيب و لأحزاب أيدلوجيات متحجرة كحالة الشيوعية السودانية. نحاتاج لأفكار هشام شرابي لأنه مثلا في حديثه عن الأبوية المستحدثة و بنية الثقافة في العالم العربي قد تعتبر تلخيص لأفكار كثير من الفلاسفة و علماء الاجتماع مثل فكرة البناء الأسري و دور في إنتاج النظم السياسية كما تحدث عنه عمانويل تود مثلا الأسرة الجذعية لا تنتج غير نظم حكم شمولي و الأسرة النووية تستطيع تقديم نظام حكم ليبرالي.
فكر هشام شرابي يعتبر عتبة مهمة ينتقل عبرها العالم العربي و الاسلامي المتمنع من مقابلة نفسه و رؤيتها في مرآة علوم الغرب و أفكار الحداثة لأن هشام شرابي مراجعه و مقارباته تكاد تكون تلخيص لأفكار فلاسفة و علماء الغرب بشكل يمكن ان تقبله نفسية النخب المتهيبة من علوم الحداثة و أفكارها في العالم العربي و الاسلامي. هشام شرابي يقدم نقد لتاريخه الفكري و يقدم أفكار لا تخطر على بال نخبنا السودانية مثلا في مقدرته على مقارباته الفائقة يضع أفكار ماكس فيبر و يوصي بأن بأن يكون لها دور هام بجانب أفكار ماركس و هذا بالنسبة لنخب تعتبر بأن ماركسية ماركس هي الأفق الذي لا يمكن تجاوزه تقدم كبير و يمكن أن يسبب لك من العداء من أتباع النسخ المتحجرة من الشيوعية كما حال النسخة السودانية. مثلا نجد مدرسة الحوليات الفرنسية قد فعلت كما فعل هشام شرابي مع ماركس بل جعلت من ماركس مؤرخ أثرى الفلسفة و قد وصلت به المثالية الالمانية الى منتهاها و قد أصبح ماركس فيلسوف يحجز مقعده بين الفلاسفة بل تميز يذكر بل يعتبر كأشهر وجه لأفشل اقتصادي و فعلت أيضا مدرسة الحوليات نفس الشئ مع المؤرخ ارنولد توينبي و مع غيرهم كثر لهذا نؤكد بأن أفكار هشام شرابي عي عتبة مهمة لتقريب أو قل جسر الهوة بين عقل النخب في العالم العربي و الاسلامي في حربها بغير حق مع أفكار الحداثة و حربها ضد أفكار التنمية لذلك لم يحقق العالم العربي و الاسلامي أي إزدهار مادي يذكر.
و الغريب أيام ظهور كتاب هشام شرابي النقد الحضاري كان العالم العربي و الاسلامي في قمة و ذروة أفكار الصحوات في كل من السعودية و مصر و حينها كانت لحظة الجن جماعي و عندنا هنا في السودان لحظة قيام إنقلاب الانقاذ و فرحة أتباع الحركة الاسلامية بانقلابهم المشؤم الذي أورد الشعب السوداني الى أسواء مراحل الانحطاط و كان قبلها نجد الصادق المهدي كرجل دين قد طرح فكرة الصحوة الاسلامية مما يدلل لك إذا قارنا فكر الصادق المهدي بفكر هشام شرابي نجد أن الصادق المهدي رجل دين و ليس مفكر سياسي يستطيع أن يفصل الدين عن الدولة لأن فصل الدين عن الدولة يجرد الصادق المهدي من هم صفة صفة الأب الذي يجعله بالميراث متسلط أن المجتمع خانع له بحكم ثقافة سلطة الأب و ميراث التسلط. ما نود قوله أن مسألة الاهتمام بالفكر هو الذي يحصصنا من مغامرات المغامرين أمثال مناوي و جبريل و من إنقلابات العسكر كما رأينا انقلاب البرهان الفاشل.
يبقى أن الغائب هو دور نخب و ريادات وطنية واعية تكون على مستوى الأزمة و هذا حال الشعوب مثلا عندما جاء زمن الكساد الاقتصادي العظيم في عام 1929 قابله روزفلت بعقل سياسي مفكر وليس عقل رجل الدين كما كان يفعل الصادق المهدي و اليوم و نحن في مواجهة إنقلاب البرهان يجب أن تظهر على مشهد الفكر نخب قادرة على تقديم فكر يخرج السودان من جهل الجاهلين أمثال البرهان كعسكري مغامر لا يدري بأن زمن الانقلابات قد ولى بلا رجعة و المغامرين أمثال جبريل و مناوي و أردول. مسألة التحول الديمقراطي في السودان قد أصبحت متغير تابع  لمتغير مستقل و هو البعد الفكري الغائب من رفوف مكتبتنا السودانية التي يسيطر على أفقها فكر أحزاب اللجؤ الى الغيب و أحزاب الأيدولوجيات المتحجرة. و بالتأكيد نحتاج لجهد فكري كبير حتى نستطيع الشب عن طوق قيم لا نزال نعتقد أنها قادرة على سوقنا باتجاه مواكب البشرية و هيهات فلا يمكن أن ندخل الى الحداثة بأحزاب دينية و قبائل و عشائر و ادارة أهلية و طرق صوفية.
جاء الزمن الذي ينبغي على النخب أن تخرج من أنتظارها الى المهدي و المسيح و تعتمد على عقلها وفقا لتجربة الانسان و ضمير الوجود و لا يشغل ضمير الوجود الآن غير معادلة الحرية و العدالة و لا يمكننا الوصول الى رحابها بغير أن تعتمد على إفتراض أن كل فرد بالضرورة عقلاني و أخلاقي و علينا تحليل معادلات سلوكه التي تسوقنا الى االإزدهار المادي و التقدم و هذا هو الطريق الوحيد الذي يخرجنا من حيز المجتمعات التقليدية الى رحاب الدولة الحديثة في زمن الفرد و العقل و الحرية.
taheromer86@yahoo.com

عن طارق الجزولي

طارق الجزولي

شاهد أيضاً

البرهان كطاغية يتشوَّق للطغيان!! .. بقلم: عبدالله مكاوي

abdullahaliabdullah1424@gmail.com بسم الله الرحمن الرحيم يبدو ان البرهان ككل طاغية مستبد، يطابق بين بقاءه في …

اترك تعليقاً