لجان المقاومة السودانية وامكانية تشكيل قيادة متحدة للثورة بعيدا عن الأحزاب .. بقلم: د. مريم محمد عبدالله وقيع الله

وصول جموع الثوار في الخرطوم الي القصر الجمهوري في يومي 19 و 25 ديسمبر الجاري، رغم الاستعدادات الامنية الغير مسبوقة و التي تنذر بارتكاب مجازر قد تفوق ما حدث في يوم 17 نوفمبر، يدل علي استعداد الديسمبريين لتقديم مزيد من التضحيات في سبيل تحقيق حلمهم بالدولة المدنية الديمقراطية. لكنه في نفس الوقت كشف ان هذا الزخم الثوري غير المسبوق لا يزال يفتقد للقيادة السياسية المتحدة و لخريطة طريق توضح ماذا بعد الوصول لساحة القصر الجمهوري. معلوم ان هذه الربكة بسبب عدم قدرة قوي الثورة تشكيل قيادة متحدة جديدة بعد تصدع تحالف قوي الحرية و التغيير الذي نجح في قيادة الثورة حتي اسقاط رأس النظام البائد في ابريل 2019. و لا احد ينكر ان لجان المقاومة استطاعت سد الفراغ و قيادة الحراك الثوري حتي الان، و فرضت سيادتها علي مجريات الاحداث. علي الرغم من ان انقلاب 25 اكتوبر لم يتمكن من تشكيل حكومته و لا شرعنة سلطته داخليا او خارجيا، حتى بعد توقيع الإعلان السياسي مع د. حمدوك، الا ان ذلك لايعني سهولة استرداد مسار الانتقال الديمقراطي. بل بالاحري يؤكد ذلك علي عدم قدرة الانقلابيين علي خلق وضع مستقر يعيد سلطة النظام البائد كما يحلم بعضهم و لا خلق نظام سلطوي جديد كما يحلم البعض الاخر المسنود من دول اقليمية و عالمية. و بالتالي فان قيام نظام سلطوي احادي غير وارد فهناك خياران فقط، اما استعادة مسار التحول الديمقراطي الذي يسمح ببناء دولة مدنية ديمقراطية موحدة، او الانزلاق في عنف واسع النطاق لن تقتصر اثاره علي السودان بل ستؤثر علي الاقاليم المجاورة افريقيا و عربيا بل ستصل اثاره الي اوربا.
رغم ان قوي ثورة ديسمبر لديها ارادة قوية للتغيير و هدف واضح هو تحقيق سودان الحرية و السلام و العدالة، الا ان الخطأ الاكبر الذي وقعت فيه قيادات تحالف الحرية و التغيير انهم بدأوا في التناحر و حولوا الاختلاف في الرؤي الي خلاف بمجرد سقوط رأس النظام في ابريل 2019. و النتيجة كانت تصدع التحالف باسرع مما كان متوقعا. و بما انهم كانوا بالفعل قد اتفقوا علي ما يعرف بأعلان الحرية و التغيير الذي يعتبر شروط مرجعية للانتقال المدني الديمقراطي (The terms of reference) كان يتوقع ان يشرعوا مباشرة في ان وضع استراتيجية لكيفية تحقيق هذا الانتقال في ارض الواقع. لكنهم قبل التوافق علي ذلك دخلوا التفاوض وهم منقسمين، و هنا الحديث عن القيادات التي انفصلت عن قواعدها في هذه الفترة و مارست نوع من التعتيم غير المبرر و النتيجة كانت الوثيقة الدستورية بعيوبها المعروفة. و بدأت المرحلة الانتقالية في ظل هذا التشرذم انشغل البعض بالمحاصصات لاخذ نصيبهم في الوزارات و الوظائف القيادية، دون ان يدروا انهم متورطون بالعمل في مؤسسات لا يزال منسوبي النظام البائد و المواليين لهم يتحكمون في كل مفاصلها. و هذا يفضح جهلهم بهذا الواقع و يؤكد عدم توفر استراتيجية او خارطة طريق تحدد كيفية احداث التغيير لمصلحة الدولة المدنية الديمقراطية. اما البعض الاخر ففضل لعب دور المعارضة و طالب باسقاط حكومة الشراكة في تماهي غير مقصود مع مساعي فلول النظام البائد. و انتهي هذا الفصل بالانقلاب علي حكومة الفترة الانتقالية و وثيقتها الدستورية.
الدرس الذي يجب ان تستوعبه قيادات قوي الثورة هو ان التغيير من الحكم الاحادي السلطوي الي الدولة المدنية الديمقراطية لا يمكن ان يقوم به فرد او حزب او تحالف حزبي محدود و لايمكن ان تقوم به مجموعة محدودة من النخب معزولة عن القاعدة الشعبية العريضة صاحبة المصلحة المباشرة من التغيير. لان التغيير المنشود ليس تغييرا فوقيا باستبدال عسكريين بمدنيين او منسوبي النظام البائد في المؤسسات بمنسوبي الاحزاب كما يعتقد البعض. بل هو تغيير جذري في منظومة الحكم بشكل كامل و اعادة بنائها وفقا لاسس الدولة المدنية الديمقراطية. وهذا لا يتم فقط بالنوايا الطيبة بل يحتاج الي خطة محكمة تشارك في وضعها كل قوي الثورة و تبني علي قراءة شاملة للمشهد بكل تعقيداته و تضع خارطة طريق واضحة و مرنة تحدد كيفية احداث التغيير و مراحله. هذا يتطلب تشكيل قيادة متحدة و متواصلة مع جماهير الثورة علي كل المستويات و خاصة المستوي القاعدي. وهي الضمانة الوحيدة لتشكيل قوة شعبية متماسكة ذات وزن راجح في المعادلة السياسية، قادرة علي اجبار العسكرين و فلول النظام البائد عن التخلي عن احلامهم بجر عجلة التاريخ الي الوراء. و ستجد في هذه الحالة الاحترام و الثقة و الدعم من الخارج كقوة تستطيع جلب الاستقرار لبلد له دور مفتاحي في استقرار المنطقة لموقعه الجغرافي. و رغم ان موقع السودان و ثرواته المستباحة هي احد اسباب التدخلات الاقليمية و الدولية الا ان استدامة الاستقرار له اهمية قصوي خاصة بالنسبة لاوربا و امريكا.
ان ضرورة تشكيل قيادة متحدة للثورة ليس عليها خلاف، الا ان هناك رؤي مختلفة حول كيفية تشكيل هذه القيادة. في الاَونة الاخيرة اتجهت الانظار للجان المقاومة التي استطاعت قيادة الحراك الثوري في هذه المرحلة الحساسة تحت شعار “لا شراكة ، لا تفاوض، لا شرعية”. و علي ما يبدو ان الاحزاب السياسية التي شاركت في المرحلة السابقة اضطرت للتماشي مع هذا الشعار و الذي هو اقرب لطرح الاحزاب التي كانت تعارض الشراكة و علي رأسها الحزب الشيوعي. هناك ايضا من يؤمل في ان يتوحد تجمع المهنيين الذي تفتت بسبب الخلافات بين الاحزاب ليقود الحراك مرة اخري كما فعل في 2018. و اخرين يراهنون علي قدرة الحراك الثوري علي افراز قيادة جديدة في الوقت المناسب و لا داعي للاستعجال. و في نفس الوقت تعج الساحة السياسة بالكثير من المبادرات و المواثيق و البرامج المطروحة امام قوي الثورة للاتفاق حولها. الا ان الانقسام ما زال قائما، و اعتقد ان السبب الاساسي يرجع للاحزاب السياسية التي يعتبر دورها مفتاحي في توحيد قوي الثورة. فيما يلي سأحاول ترسيم منظومة قوي الثورة لشرح هذه الفكرة.
لقد ساهم الانقلاب في ترسيم حد فاصل بشكل اوضح بين مجموعتين احداهما تسعي لاستعادة النظام السلطوي القديم المبني علي الهيمنة و التهميش و ما يستتبعه من قمع و مصادرة للحريات و الاخري هي التي تسعي لتحقيق نظام مدني ديمقراطي تعددي مبني علي قيم الحرية و السلام و العدالة. الجديد في الامر هو انحياز معظم قادة الحركات المسلحة الموقعة علي سلام جوبا لكفة الانقلابيين. لن استرسل كثيرا في تحليل القوي الانقلابية رغم انها مهددة بالصراعات من الداخل مما سيضعفها لصالح قوي الثورة، بل سأركز هنا علي ترسيم منظومة قوي الثورة التي يقع عليها عبء اسقاط النظام و بناؤ الدولة المدنية الديمقراطية.
قوي الثورة تتكون من مجموعتين رئيسيتين تختلف في طبيعتها و تتكامل في ادوارها داخل هذه المنظومة. المجموعة الاولي تشمل الاحزاب السياسية و اخري تشمل كل الشبكات غير الحزبية بما في ذلك لجان المقاومة ، المنظمات النسوية، النقابات و الروابط المهنية، وغيرها من منظمات المجتمع المدني. لكل من الاحزاب السياسية مقاربة لكيفية ادارة مؤسسات الدولة و استغلال مواردا لفئات المجتمع المختلفة و في الغالب تستند هذه المقاربات علي تصور نظري مبني علي أسس و مبادئ محددة و نموذج عملي لكيفية الممارسة. رغم ان نسبة الاشخاص المنظمين في الاحزاب قد تكون ضئيلة الا ان الغالبية العظمي الغير منتمية لاحزاب لديها ميول لحزب دون الاخر. و تضح هذه الميول في العملية الانتخابية اذا كانت بالفعل تتم بنزاهة و وعي كامل بالفرق بين المقاربات المختلفة. القصد هنا ليس معرفة مدي شعبية هذه الاحزاب بل الاهم هو ابراز هذا التنوع في وجهات النظر و الاقرار بأن هناك مقاربات سياسية مختلفة. فكرة الدولة المدنية الديمقراطية تبدأ من هذا المبدأ وهو الاقرار بالتنوع و مبدأ الحرية في ان يتبني كل شخص المقاربة التي يتفق معها و يري انها الانسب او التي تلبي مصالحه وفي نفس الوقت لدي هذه الاحزاب الحق في في الترويج لمشروعها اعلاميا. فلا ديمقراطية دون احزاب فمن يرفض الاحزاب الموجودة يجب ان ينخرط مباشرة في تشكيل حزب جديد يمكن ان يتنافس مع الاحزاب القائمة دون اقصائها، فلكل مقاربته للحلول السياسية و لديه جماهيره. اما بالنسبة للشبكات غير الحزبية فهي في الغالب تحاول التركيز علي مطالب و حقوق الفئات المختلفة و القاء الضوء علي مدي تأثر متطلبات الحياة اليومية للمجموعات المختلفة بالسياسات و الممارسات المحددة وبالتالي يتقاطع مجال اهتمامها مع المقاربات و الممارسات السياسية المختلفة. و في نفس الوقت فان الناشطين في هذه الشبكات في الغالب يتبنون مقاربات سياسية مختلفة لتحقيق مطالبهم و حقوقهم الفئوية لذا فهم ايضا مجموعات غير متجانسة سياسيا.
الشكل ادناه يوضح هذه الفكرة بشكل افضل، حيث يتم تمثيل الاحزاب و التيارات السياسية المختلفة بالاعمدة الطولية الملونة و الاجسام الاخري بالحلقات العرضية باللون الابيض باعتبار انه من المفترض انها لا تحمل صبغة سياسية لكن بها تنوع في الرؤي . حسب الشكل ادناه من اسفل تبدأ بلجان المقاومة علي المستوي القاعدي و هي موجودة في كل الاحياء السكنية في الريف و الحضر. بعدها تأتي المنظمات النسوية بكل تنوعها الحزبي، الحقوقي، المهني و غيرها، و المفترض ان تكون اكثر ملامسة للقواعد الشعبية. ثم تأتي النقابات و الروابط المهنية و الحلقة الاخيرة تشمل كل منظمات المجتمع المدني الاخري بما فيها المنظمات التي نشأت بعد الثورة مثل منظمة اسر الشهداء. وفقا لهذا الترسيم لمنظومة قوي الثورة فان الاتفاق او الخلاف بين الاحزاب و التيارات السياسية ينعكس بشكل مباشر علي تماسك االشبكات غير الحزبية. و قد اثبتت تجربة الفترة الانتقالية صحة هذا الادعاء فقد انعكست الخلافات بين الاحزاب علي كل الاجسام الاخري و قد تابعنا ما حدث في تجمع المهنيين و في المجموعات النسوية السياسية والمدنية (منسم) بل حتي في منظمة اسر الشهداء و لجان المقاومة ليست ببعيدة عن هذه الانقسامات.

اردت ان اوضح بهذا الترسيم انه مهما كانت درجة حماسنا للجان المقاومة و تقديرنا لاهمية الدور الذي قامت و ستقوم به في هذه الثورة الا انه لا يمكن فصلها عضويا من التيارات السياسية سواء كانت احزاب فاعلة في الساحة السياسية او تيارات سياسية في مرحلة التشكل اوحتي مواقف سياسية رافضة بشكل عام للاحزاب. و المجموعة الاخيرة اما ينقصها الوعي بكيفية تداول السلطة في الدولة المدنية الديمقراطية او متأثرة بما تبثه الالة الاعلامية للنظام البائد. في كل الحالات فإن المراهنة علي قدرة لجان المقاومة علي القيام بدور سياسي بمعزل عن الاحزاب السياسية هو عبارة عن وهم او محاولة لايهام الاخرين بحيادية هذه اللجان وهذا لن يصمد كثيرا. ببساطة لو كانت لجان المقاومة بالفعل تمثل كل الثوار في الحي السكني المحدد سيكون هناك تباين في الرؤي السياسية لان ليس هناك حي سكني محتكر لحزب محدد و بالتالي وحدتها ستكون مرتبطة الاتفاق او الخلاف بين الاحزاب. وفي حالة وجود لجان المقاومة منحازة لكيان حزبي محدد هذا مؤشر واضح لمحاولات الهيمنة علي اللجان اكثر منه تمثيل حقيقي للثوار في الحي المحدد. و يبدو ان هناك معارك دائرة في الخفاء بين الاحزاب السياسية للهيمنة علي لجان المقاومة و هذا لن يقوي مواقف هذه الاحزاب بقدر ما انه سيضعف لجان المقاومة و دورها الاني في التحشييد ودورها المستقبلي في ارساء الممارسة الديمقراطية التشاركية التي تتم من اسفل الي اعلي.
رغم ان هناك قطاعات واسعة غير راضية عن اداء الاحزاب السياسية بسبب ضعفها و عدم قدرتها علي التطور و التحديث او لمحاولات بعضها الانفراد بالرأي اوالهيمنة، الا ان ذلك ليس مبررا للهجوم عليها و محاولة الترويج لامكانية تجاوزها. من المهم ايضا التذكير بان فكرة لجان المقاومة في الاحياء السكنية ليست فكرة جديدة بل ابتكرتها الاحزاب و كانت احد ادواتها المجربة في التحشيد للثورات و الانتفاضات الشعبية. الاحتمالات الارجح لهذا الاختلاف في الخطاب بين لجان المقاومة و الاحزاب السياسية اما بسبب تجربة الحكومة الانتقالية الفاشلة خلال السنتين الماضيتين. او لاختلاف الرؤي بين الاجيال داخل هذه الاحزاب التي في الغالب يقودها اشخاص من كبارسن. و بالتالي قد يكون ذلك نوع من الضغط الذي يمارسه الشباب علي قياداتهم لاتخاذ مواقف اكثر راديكالية. استنادا علي هذا الفهم الذي يؤكد الدور المفتاحي للاحزاب لا يستبعد توحيد قوي الثورة بواسطة لجان المقاومة في حالة اتفاق شباب وشابات الاحزاب الناشطين علي مستوي لجان الاحياء علي ميثاق سياسي و قاموا بالضغط علي قيادات احزابهم لتبنيه. وهو ايضا توافق حزبي يتم بطريقة عكسية تبدأ من اسفل الي اعلي.
لذا اعتقد ان اقصر طريق لتوحيد قوي الثورة هو عبر الاتفاق بين الاحزاب و التيارات السياسية المؤمنة حقيقة بالتحول المدني الديمقراطي سواء جاء ذلك من اعلي اي بواسطة قيادات الاحزاب او من اسفل بواسطة منسوبي الاحزاب في لجان المقاومة، او المجموعات النسوية او حتي تجمع المهنيين الذي قام بدور مشابه و استطاع توحيد القوي السياسية في بداية ثورة ديسمبر قبل ان تطاله الانقسامات. هذا يتطلب من الاحزاب الخروج من دائرة الصراعات و التناحر و التخوين الي دائرة الفعل المشترك بقلوب و عقول مفتوحة و ارادة قوية للخروج بمشروع وطني متوافق عليه يرسي دعائم الدولة المدنية الديمقراطية. و يجب ان يشتمل المشروع علي خطة استرتيجية واضحة لكيفية تفكيك دولة التمكين و اعادة هيكلة مؤسسات الدولة التنفيذية و العدلية و الامنية بأسس و تشريعات جديدة. و ايضا يجب ان يتم الاتفاق حول كيفية ادارة الاقتصاد و حماية موارد الدولة المستباحة حاليا من مجموعات في الداخل مع دول اقليمية و عالمية. و الاهم من ذلك وضع ترتيبات لاعداد الدستور الدائم لتتم اجازته قبل انتهاء الفترة الانتقالية.
في الختام هذه دعوة لقيادات الاحزاب بشكل خاص و لمنسوبيها في الشبكات غير الحزبية وللمهتمين بالشأن السياسي بصورة عامة لتحمل مسؤوليتهم التاريخية و بذل ما بوسعهم لتوحيد قوي الثورة لتتمكن من هزيمة الانقلاب بأقل الخسائر و انجاز التحول المدني الديمقراطي. و الا ستتحمل الوزر الاكبر اذا انحرفت الثورة عن مسارها بسبب التلكوء و طول زمن الحراك الثوري في هذا الوضع الهش الذي يهدد بالانزلاق في حالة فوضي وعنف واسع. نؤمن جميعنا بأن الردة المستحيلة لكن كما قال الشهيد الخالد عبدالسلام كشة ” نخشي علي ثورتنا من النخب التي أدمنت الفشل”.

marfa_1998@hotmail.com
/////////////////////////////////

عن طارق الجزولي

طارق الجزولي

شاهد أيضاً

البرهان كطاغية يتشوَّق للطغيان!! .. بقلم: عبدالله مكاوي

abdullahaliabdullah1424@gmail.com بسم الله الرحمن الرحيم يبدو ان البرهان ككل طاغية مستبد، يطابق بين بقاءه في …

اترك تعليقاً