ودعت العاصمة السعودية الرياض، عايداً إلى أرض الوطن، أحد أبرز الوجوه والشخصيات السودانية المرموقة في المهجر، ذلكم هو العالم والأديب الأريب والصديق العزيز الدكتور عبد الرحمن كرم الدين، أستاذ اللغة العربية وآدابها بالجامعات السعودية والسودانية، بعد أن قضى ردحاً من الزمن في الغربة، عمل خلالها في جامعة الملك سعود بالرياض، ثم أنتقل للعمل في جامعة الإمام محمد بن سعود الإسلامية، وكلاهما جامعات رفيعة وذات مستوى أكاديمي متميز، وهي لذلك تستقطب أصحاب العلم والمعرفة في مختلف المجالات ومن كثير من دول العالمين العربي والإسلامي. وهذه الجامعات هي في الواقع مراكز لتلاقح المعارف بين الأساتذة والطلاب من جنسيات شتى، وهي أيضاً تشجع البحث العلمي وتبادل الآراء؛ خاصة في مجال اللغة والأدب، بكل ضروبه وفنونه، مما أتاح للعاملين بها، ومن بينهم الدكتور عبد الرحمن كرم الدين، فرصة نادرة للتعرف على مخرجات ثقافية وأدبية يندر الحصول عليها في غير المملكة العربية السعودية. وعلى سبيل المثال التقى الدكتور عبد الرحمن بالبروفسور عبد الرحمن الخانجي، أستاذ الأدب المقارن، في جامعة الملك سعود ولا زلت أذكر تلك المحاضرة التي قدمها مع بعض شباب الأساتذة من أمثال الدكتور كرم الدين والدكتور حسن السلك عن رثاء المدن في الشعر العربي كقصيدة أبي البقاء الرندي في رثاء الأندلس التي يقول فيها:
لكُلِّ شَيءٍ إِذا ما تَمّ نُقصانُ فَلا يُغَرَّ بِطيبِ العَيشِ إِنسانُ
هِيَ الأُمُورُ كَما شاهَدتُها دُوَلٌ مَن سَرّهُ زَمَن ساءَتهُ أَزمانُ
وغير هذه من القصائد العربية الخالدة التي لا تزال عالقة في الذاكرة. ومن عبد الرحمن تعلمت أيضاً مفهوم الأنسنة والتداولية في الأدب العربي فكثيراً ما كانت تدور بينننا مناقشات مستفيضة عن هموم الأدب والثقافة فيبدع صديقي ونستزيد نحن من غزير علمه الذي لا يبخل به أبداً. وعن طريق الدكتور عبد الرحمن تعرفت على ثلة متميزة من الأدباء والعلماء الذين شكلوا سوياً مجموعة الهيئة الطوعية لدعم التعليم العالي وغيرها من المنابر الأدبية والثقافية التي أثرت حياة السودانيين المقيمين بالرياض.
درس الدكتور عبد الرحمن المرحلة الجامعية في جامعة قار يونس بليبيا، وتخرج فيها بدرجة الشرف، ثم عمل بالتدريس في مدارس التعليم العام في كل من السودان واليمن والسعودية. وهذه الأسفار أكسبته معرفة عميقة بثقافة الشعوب العربية ولهجاتها وآدابها؛ سيما وأنه مختص في هذا المجال مما عزز عنده حب اللغة العربية فتوسع في الاستزادة منها حتى نال الشهادة العالمية بتميز وتفوق ملحوظ وكتب اسمه بكل اقتدار في سجل المتميزين من أساتذة الأدب والنقد العربي وصار علماً على رأسه نار فتتلمذ على يديه كثير من طلاب الدراسات العليا، وقد ترك فيهم بصمات واضحة وأصبحوا هم أنفسهم منارات يهتدى بها.
الدكتور عبد الرحمن ابن الجزيرة أبا، حيث ولد ونشأ وتلقى تعليمه الأولي في معقل أنصار الإمام المهدي، ولذلك شب في بيئة مفعمة بالالتزام الصارم بكل ما هو إسلامي ووطني خالص، الأمر الذي طبع شخصيته بصفات لا تتوفر لكثير من الناس، وهي تشمل ولا تقتصر على حسن الخلق والإخلاص والوفاء والكرم والمحافظة على مكارم الأخلاق والأدب الرفيع والتواضع في التعامل مع كل من يعرف هذا الشخص الفذ بكل ما تحمل الكلمة من معنى.
ويعود الدكتور عبد الرحمن لأرض الوطن ليشغل منصباً يليق بعلمه وأدبه وثقافته حيث سيكون مديراً لكية الغرب الجامعية بنيالا، هذا الصرح العظيم الذي يعد إضافة حقيقية لمؤسسات التعليم العالي في السودان. وبهذه المناسبة جادت قريحتي بهذه الأبيات في وداع الدكتور عبد الرحمن متمنياً له دوام النجاح والتقدم:
أخوي من أسمو ماخد كتير مو شويا
بتب عجلان للضيف البجيهو هويا
معروف قلبو أبلج أبداً ما بسوي النيا
فارس زقرة اليوم أب صقور وحديا
حاتم قبيلة طي وسمعتو المحكيا
فتو مسافة يا وابل الرزم ضحويا
دارك عامره وبي الفضل مكسيا
وفيك طبايع الريف والحيا الأصليا
سخي وسمتان يلقاك دوام بي بشاشه
وارث الكرم، والجود مغلق ساسه
أخوي البعدي قاسيات المحن بكياسه
صاحب معرفة وحكمة ومعاها فراسه
كان قلت العلم أخويا واصل حدو
بحراً غريق كتار طلابو ما بنعدو
أدب واخلاق موروثة من جد جدو
سائل ربي عاديات الزمان ما تهدو
حكيماَ في المجالس حاشا مو نسناس
أخوي صدوقا مخلص وللعلوم دراس
وخلاف ما إنو معروف مفخرة ونبراس
يمينو تمد من قلبو طارد الوسواس
الوطن محتاج رجالاً متلك يشيلوا الرايا
يعدلوا الميل يراشوا الضعاف وعارايا
يضحوا من أجلو لا فارهات لا سرايا
عشان يتفادى بس سود الأيام الجايا
للدكتور عبد الرحمن مساهمات واضحة عبر الهيئة الطوعية لدعم التعليم العالي التي شاركت في كثير من الفعاليات لدعم الجامعات السودانية ونقل الخبرات وتبادل التجارب، ومناقشة قضايا تعليم أبناء المغتربين، والهيئة من الجهات التي كان لها دور بارز في ربط أساتذة الجامعات السودانيين العاملين بالمملكة العربية السعودية بمؤسسات التعليم العالي في السودان.
tijani@hejailanlaw.com
///////////////////////
سودانايل أول صحيفة سودانية رقمية تصدر من الخرطوم