قد رأينا وعي الشعب السوداني المكافح من أجل ايقاظ نخبه السائرة كما السائر في نومه و هو يقاوم إنقلاب البرهان الفاشل و كانت لوحة جميلة ترسم أدبيات بعد رأسي جديد في أفق النخب السودانية و هو البعد الجمالي و الفلسفي الذي يمثل طموح الشعب السوداني لتأسيس منظمومة قيم جديدة و في مقدمتها قيمة القيم و هي الحرية في شعار ثورة ديسمبر و شعارها الذي لم تلتقطه تجربة النخب السودانية حرية سلام و عدالة.
و أرى أن تأخر النخب في توحيد صفوفها حتى تلحق بمواكب الشعب سببه أن أفكارها قد تجاوزتها فلسفة التاريخ الحديثة و أن منظومة قيم النخب السودانية التي تعتمد عليها في أن تلعب دور بنيوي في السياسة و الاقتصاد و الاجتماع قد أصبحت في ذمة التاريخ لهذا السبب نجدها أي النخب السودانية و بعقلها عقل الحيرة و الاستحالة المسيطر عليه أفق الخوف المرضي حبيسة دوائر شريرة لم تستطع النخب السودانية فك أطواقها و الشب عنها فهي أسيرة تفكير قديم ينسب الى فلسفة التاريخ التقليدية.
الشعب السوداني المكافح من أجل إزالة انقلاب البرهان الفاشل بوعي يمثل روح الظواهر الاجتماعية التي لا يعيرها المثقف السوداني أدنى إهتمام في ثورة ديسمبر وضع نماذج و تخطيطات ذات إرتباط بمفهوم الدولة الحديثة و مفهوم السلطة كمفهوم حديث إلا أن النخب ما زالت في ضلالها القديم فيما يتعلق بمفهوم السلطة التي لا تعني غير معنى التسلط و تجسدها أحزاب طائفية و أحزاب فكر اسلامي متكلس ما زال حال أحسن النخب السودانية حال من يستكين لسلطة الامام و مولانا و الاستاذ و لهذا نجد ان مؤشر تنامي الوعي في أتباع أحزاب اللجؤ الى الغيب و أحزاب النسخة المتخشبة من الشيوعية السودانية متدني للغاية مقارنة بوعي الشعب السوداني الذي قد فهم و تجاوب مع ظاهرة مفهوم الدولة كمفهوم حديث و ظاهرة السلطة كظاهرة تتعلق بالمجتمع البشري و لا يمكن أن تنضبط بغير معادلة الحرية و العدالة.
ما زالت نخب أحزاب اللجؤ الى الغيب المتمثلة في أحزاب الطائفية و السلفيين و أتباع الحركة الاسلامية السودانية تشترك مع أتباع النسخة المتخشبة من الشيوعية السودانية في الغائية و الدينية و اللاهوتية للفكر في زمن النسبي و العقلاني و المضحك أن قاسمهم المشترك الأعظم يكمن في وهم تقديم حلول نهائية في زمن قد أصبحت مسيرة الانسانية تراجيدية و مأساوية بلا قصد و لا معنى منفتحة على اللا نهاية و هنا تصرخ الدعوة في وجه أتباع الحواضن الأبوية التي لا تعرف طريق الى فكر يمجد الفرد و العقل و الحرية و هذا هو طموح الطبقات الصاعدة التي تمثلهاروح ثورة ديسمبر المجيدة و لهذا نقول أن ثورة ديسمبر في حوجة لفكر جديد لا يوجد في صيدلية الاحزاب القديمة و لا في روح أتباعها الذين قد أصبحوا في مستوى ثور الساقية في دورانه أو كما جمل العصّارة يدور و يدور و النتيجة المضحكة في أنهم يعلنون بأنهم قد إبتعلتهم الدائرة الشريرة إنقلاب فترة انتقالية و هكذا تدور دوائرهم الفارغة و محكمة الاغلاق و لا يوجد عقل جديد يفك طوقها.
و الفكر الجديدعلى الساحة السودانية و يمكنه فك طوق الحلقات المفرغة و محكمة الاغلاق هو فكر يحل محل أفكار أحزاب الطائفية التي رضي أتباعها بدور الامام و مولانا في أن يلعب دور الأب البايولوجي الذي تركه أبناء الحياة أبناء ثورة ديسمبر في البيت و كذلك فكر يقتل صورة الأب عند أتباع حزب الاستاذ أي أتباع النسخة المتخشبة من الشيوعية السودانية و هذا الفكر الجديد على الساحة السودانية فكر قديم على نخب شعوب العالم الحر و الشعوب الحية التي نريد اللحاق بمواكبها و مواكب البشرية و هو فكر يمثل لحظة مفصلية للبشرية هو الذي يسوق العالم في التسعة عقود الفائتة إلا أن نخبنا السودانية عجزت في إلتقاط أمواجه و فك شفراتها.
و أقصد و منذ عشرينيات القرن المنصرم بدأت ملامح فلسفة التاريخ الحديثة التي تضع علم الاجتماع كبعد معرفي في صميم الديالكتيك من أجل مجابهة مسيرة الانسانية المنفتحة على اللا نهاية و الغريب أن كل من أحزاب وحل الفكر الديني أي أحزاب الطائفية أتباع الحركات الاسلامية و السلفيين و كذلك أتباع نسخة الشيوعية السودانية يزدرون مسألة أن يكون علم الاجتماع بعد معرفي في صميم مسيرة الانسانية و لهذا نجد خلو فكرهم من أي فكر يمجد العقل و الفرد و الحرية و بالتالي كيف نبحث عن نجاح الديمقراطية بفكر ما زال يؤمن بأن الفكر الديني سواء كان دين سماوي أم دين بشري متمثل في نسخة الشيوعية السودانية يمكنه أن يلعب دور بنيوي في السياسة و الاجتماع و الاقتصاد و بالمناسبة مهادنة النخب السودانية لأحزاب الطائفية و أتباع الحركات الاسلامية و النسخة المتخشبة من الشيوعية السودانية يعتبر كجبار الصدف الذي يحول ما بيننا و العالم الحديث و جبار الصدف من أفكار فردريك نيتشة في محاولاته العظيمة في توسيع ماعون الحرية و كيف هاجم منظومة القيم القديمة التي تكمن في الثقافة اليهودية المسيحية و كيف كانت مقيدة لأوروبا و وصفها بفلسفة العبيد و من هنا نقول للنخب السودانية التي إرتضت أن تقبل الامام و مولانا و الاستاذ أي أتباع النسخة المتخشبة من الشيوعية السودانية كبديل لهيمنة الأب أنكم المسؤلون عن تكريس فلسفة العبيد المقيدة لروح الشعب السوداني أما ثورة ديسمبر فهي ثورة شعب يريد أن ينعتق من العبودية التي يكرسها خطاب الاسلام السياسي المتكرس في خطاب أتباع الحركة الاسلامية السودانية و أحزاب الطائفية و السلفيين و أتباع النسخة المتخشبة من الشيوعية السودانية.
لذلك نقول أن كساد النخب السودانية كساد موروث من أجيال مؤتمر الخريخين و هم في مطلع العقد الثالث للقرن المنصرم لم ينتبهوا الى أن فلسفة التاريخ التقليدية قد انتهى زمانها و أن زمن فلسفة التاريخ الحديثة قد أطل بوجهه من وراء القرون و لم تنتبه النخب اللاحقة بأنه قد فات على نخب مؤتمر الخريجيين بأن الليبرالية التقليدية قد قد اندثرت و الليبرالية الحديثة قد أطلت بوجهها منذ بداية عقد العشرينيات من القرن المنصرم لذلك تجد بين نخبنا السودانية من لا يتحرج ان يكون من أتباع النسخة المتخشبة من الشيوعية السودانية و أعلى مستوى لنخبها ما زال حبيس فكر الليبرالية التقليدية و حبيس فكر فلسفة التاريخ التقليدية و هذا هو المضحك المبكي.
لذلك نقول أن مقاومة الشعب السوداني لانقلاب البرهان الفاشل يوضح تقدم الشعب و سقوط النخب التي ما زالت تريد أن تكرس لفلسفة العبيد كما يقول فردريك نيتشة و اول علامات كساد النخب المكرسة لفلسفة العبيد هو عدم توحدها في مركز موحد يقاوم مع الشعب إنقلاب البرهان الفاشل و هنا أريد أن انبه النخب بأن مركزها الموحد من أجل مكافحة انقلاب البرهان يجب أن يسبقه تغيير لمنظومة قيمها التي تكرس لفلسفة العبيد و هذا التغيير لمنظومة قيمها يحتاج أن تواجه نفسها بانه مستوى وعيها متدني فيما يتعلق بقيم و أدبيات تبحث عن الجمالي و الفلسفي الذي يناسب ثورة ديسمبر كثورة شعب أراد الحياة و من أراد الحياة يجب ان يكون قادته في مستوى يجعلها أن تسرق نار الآلهة كما فعل بروميثيوس عندما رأي هوان الانسان و ذله و ارتضى أن يكون جزاءه العذاب الأبدي بأن يأكل النثر كبده و الى الأبد فهل يستطيع أتباع مولانا و الامام و الاستاذ صاحب الحزب الشيوعي مفارقة درب تكريس فلسفة العبيد و اللحاق بشعب ثورة ديسمبر المجيدة و هذا يتطلب منهم مفارقة فكرهم القديم المكرس لفلسلفة العبيد و البحث عن فكر ينتصر للفرد و العقل و الحرية و لا يوجد إلا في طيات فلسفة التاريخ الحديثة.
taheromer86@yahoo.com
سودانايل أول صحيفة سودانية رقمية تصدر من الخرطوم