بقلم عمر العمر
على قدر الفشل أو الهزيمة يتفشى الحزن .فما بالك إذ اجتمعا معاً في وقت واحد ؟ إبان الحروب تتولدُ البطولات . لكن الأبطالَ لايُصنّعون . أصحاب البطولات الزائفة يتحولون إلى أنصاف آلهة في سياق حمامات التمجيد الباردة . مثلما يخرج من بين الأنقاض لصوصٌ ينسل كذلك تجارٌ مستثمرون وأدعياءُ مزيفون . كلهم أبعد ما يكونون عن مصالح الوطن ونبض الشعب . قيادةُ الدولة مسؤولية توازي الحريةَ (توزن ببيض النمل) كما وصفها لينين . ما من قائد وطني يقبل ممارسة اللامبالاة،الفُرجة أو التزوير حيال تدمير مقدرات الوطن ومكتسبات الشعب. في سبيل استرداد السلمِ الوطني لا يتردد القائد الوطنيُ الحقيقي من التخلي عن منصبه .كذلك فعل ناصر غداة هزيمة ١٩٦٧.البعض يذهب إلى خياراتٍ أشد قسوةً إن لم يكن لابد مما ليس منه بدٌ احساسا بالمسؤولية الوطنية.
*****
العمل العسكري يشكل مع العمل الدبلوماسي والاعلامي الكتيبةَ الأولى على جبهة المواجهة كما عند خطوط الدفاع . في تضاعيف الدبلوماسية المركّبة تبرز حيوية بناء جسور التفاهم مع الدول تكاملا مع سياسة داخلية راشدة. أيما ارتباك في هذه المنظومة يعكس اختلالا في بني السياسة الداخلية للدولة . فكما قال المادح اليماني عبد الرحيم البرعي (لا يستقيم الظل والعود أعوج). لكن السياسةَ الخارجية والدبلوماسية أمران مختلفان وفق تصنيف استاذنا الراحل منصور خالد. فربما( هناك سياسةٌ مرتبكةٌ ودبلوماسيةٌ كفوءة). ألا رحم الله ذلك الماجدي إذ قال (كل خطاب سياسي يلحق الأذى بالناس بمثابة الذنب).فهلا أدرك أنصاف الساسة وأنصاف العسكر ما يكنزون لأنفسهم من ذنوب باسم الكرامة الوطنية .؟!
*****
خطابنا السياسي أسوأ أخطائهم الدنيوية وأحد أكبر خطيئاتهم الدينية .فهو ردحٌ بين الإدعاء ات الوهمية و الدعوات الهجائية. هو نتاج بؤسِ أدائهم على الصعيد العام. عمل ٌيغيب عنه النهجُ الفكري والاداءُ الجماعي .في غمرة التخبط يطفو دوما المغامرون المستثمرون أصحابُ رؤوس الأموال والطموحات الحرام .جهد هؤلاء ينصب على تمجيد فرد او تعظيم تنظيم لاكساب نشاطهم الحرام شرعة وطنية . لا مجال للتشكيك في قدرات ذلك الفرد أو تبخيس ذاك التنظيم خائن كل من يردد كلاما على صيغة (الجماهير هي القوى الحقيقية لصناعة التغيير وكتابة التاريخ.) مطلوب استهلاك شعارات من طراز (الكرامة الوطنية). أي كرامة ذاتية أو وطنية بينما الاقتتال من أجل احتكار السلطة يبلغ حد تشليع مؤسسات الدولة وتدمير بناها التحتية.!؟
*****
(ثم سقط ذلك النظام من ذلك الدرج الصاعد نحو الرشد والتقوى والحكمة إلى مدارك هوى الطغيان والظلم ليستبد الكبار الأكابر يعربد بهم طائشا شيطان الفرعنة…ويدوسون الرعية ويعلنون مقولات ويرفعون صورا باسم الحريات والانتخابات والشرعية واللامركزية وماهي إلا أعراض زور و نفاق )هذا مجتزأ مما كتب الدكتور حسن الترابي في يوليو 2001، وهو يراجع مسيرة الانقاذ في (حركة الاسلام عبر المسير لإثني عشر السنين) . ربما يغفر لعراب الانقاذ (مجاهداته) بغية التراجع عما أفسده في الواقع السوداني. إذ اعترف بأن خطأه الأكبر أنه( لم يقرأ التاريخ حينما وثق في العسكر). ثم في مواجهة المعارضة بالقمع الأمني الفاشي الشرس. ثم عندما ادرك انغماس الحركة الاسلامية في الفساد حتى أمسى امبراطورية داخل البلد .
*****
لم تكن ضغينتة على تلامذته المتحالفين مع العسكر ضده وحدُها دافعه لتلك المراجعات بما في ذلك تخليه عن فقه الضرورة. فالثقافة الفرنسية تشكل احد مكونات الرجل الفكرية. لكن ماتراه يقول لو طال به العمر حتى شاهد أي درك تحدّر ذلك الطغيان والاستبداد والتزوير والنفاق حتى أقحم البلادَ والعباد في الفوضى في كل حدبٍ مما دفع الرعية إلى صحاري محنة تعايشُ فيها رمضاءَ الجوع ،المعاناة والمكابدة في ملاذات اللجوء والمنافي ؟! هذا حالٌ ليس في وسع كرتي أو محمود ، غندور وهارون مراجعته ولو اجتمعوا على عقل رجل واحد !أما إذا كان الترابي شكا من سرقة العسكر مشروعه – وما فعلوها منفردين -فان العسكر من بعده سرقوا الدولة والامة برمتها يقينا .فوراء الجريمتين بعض من تلامذته المقربين.
*****
صحوة الترابي تلك مثّلت استردادَ العقل الناقد . غيابُه أحد أخطر علات الانقاذ . فوحش الترابي المضاد للعقل والنقد انفرط توحشا بعد رحيله .وحده كان الرجلُ القادر على ترويض وحشاً صنعه بيديه .بعد غياب الصادق المهدي افتقدنا آخر العقول غير القابلةِ للسكون. فما كان في طبع الإمام الركونُ إلى الصمت واللامبالاة تجاه ما يضطرم في الساحة السياسية.للرجل القدرةُ على الجمع والطرح -نختلف معهما أو نتفق- في شأن المستجدات. رغم الجفوةِ بينه ومنصور خالد أقر المؤرخُ السياسي بأن( الإمام هو الزعيم السياسي الوحيد الحريصُ على القراءة والكتابة).كما رحل الترابي في توقيت حرجٍ عند منعطف مراجعة الانقاذ فقدنا الامامَ وقد بلغ الشعبُ والوطن مفترقَ طرقٍ لاتزال مبهمة. اليقينيون بالوحدة يعزون انشطار الجنوب إلى رحيل جون غرنغ المباغت واتفاقُ (الحكم الثنائي الثاني )لمّا يزال طرياً.
*****
عناصرٌ عديدة تضاعفت على خطوط اجهاض ثورة ديسمبر . تدبرُ التفاصيل يوضح أن مكمنَ الأزمة ليس في غياب المنهج السياسي وحدِه لكن الأخطرَ من ذلك غيابُ الساسة صناعُ التحول الثوري . فمحنة ديسمبر لم تكن في غياب نظريةٍ ثورية . فثمة نظريةٌ ظلت تُرتجل يومياً بحناجر الجماهير على ايقاع حركة الشباب في الشارع .لكن مفصلَ أزمة ديسمبر يتجسد في غياب الرجال الثوريين . بعد تبديد الفرص التاريخية للثورة أدركنا ضعفَ النبضِ الثوري لدى من أدار الحوارَ مع جنرالات الانقاذ ، ثم من أدار عمليةَ توليف السلطة التنفيذية ، فمن شغل المقاعدَ الوزارية ثم من تولى تسكينَ المناصب القيادية في الدولة وساكنيها . غياب الرجال الثوريين لا يزال يكلفنا باهظا. فالعود لايزال أعوج.
*****
الحرب لاتزال مستمرةً لأنها تدار من قبل رجال يفتقدون الروح الوطنية والنبض الثوري. الأزمة السياسية مستمرةٌ لأننا لانزال نفتقد الرجال الثوريين.الوطن يتوغل في الحرب لأن الشعب غارقٌ مُغرق مستغرقٌ في الشمولية بكل أشكالها السياسية ،الاقتصادية و الاجتماعية. وحدُها أمواجُ التعددية العسكرية تتصاعد على اتساع رقعة الوطن.!العود صار أشدَ اعوجاجا.
نقلا عن العربي الجديد
aloomar@gmail.com
سودانايل أول صحيفة سودانية رقمية تصدر من الخرطوم