wadrajab222@gmail.com
كتب الأستاذ الجامعي. محمد عبد الحميد
الإدعاء بأن رؤية النبي (صلى الله عليه وسلم) في المنام يمكن أن تكون مبررًا أو توجيهًا لحل قضية معقدة كالحرب هو استغلال لمعاني الدين ومكانة النبي. فالثابت في صحيح العقيدة أن الشيطان لا يستطيع التشبه به (صلى الله عليه وسلم)، لكن الثابت أيضاً بالمقابل في صحيح مقتضيات العقل، أنه لا يمكن تصديق كل من يدعي رؤيته (ص) يمكن الوثوق به دون تدقيق. وطبقاً لمقتضيات العقل يمكن طرح السؤال الآتي ما الذي يجعل هذا الحلم متأخراً لهذا الحد بعد كل هذا الدمار الذي أصاب الأبرياء، وشرد الأسر، وفتت البلاد وجعلها نهباً للأوبئة والأمراض؟
إن مثل هذا الإدعاء يفتح الباب لفقدان الثقة في فكرة التدخل النبوي، لاسيما أن الوحي قد إنقطع، والمعجزات في العصر الراهن لم تعد تُدرك إلا في ميادين البحث العلمي والتقدم الإنساني.
إن النبي – صلى الله عليه وسلم – خاض الحروب في حياته حينما استلزمتها الضرورة، وجنح للسلم بذات المستلزمات وقد كان في إطار قواعد واضحة قامت على تقديره الشخصي لموجبات الواقع ومتغيراته. فالحرب في الإسلام قد كانت مجالاً لإعمال العقل، وقد إمتزجت في فقهه بالدهاء والمكيدة والخداع والإيقاع بالأعداء وإستدعاء التجارب السابقة للإسلام. فمشورة سلمان الفارسي والذي أشار بكل تهذيب على النبي ببناء الخندق بعدما سأل النبي (يا رسول الله إنا كنا بأرض فارس اذا حوصرنا خندقنا علينا فهل هو الوحي أم الرأي والمشورة؟؟).
أما في العصر الحديث فهي وكما قال كارل فون كلوزفيتز، إن الحرب إمتداد للدبلوماسية بوسائل أخرى لا مجال فيها للرؤى المنامية والأحلام والوصايا التي لا يمكن التحقق منها عملياً. أما التوجه نحو السلام فله آلياته ووسائله وشروطه الموضوعية وأهمها قناعة أطراف الحرب بالجنوح له. أو ممارسة ضغوط حقيقية عليهم من فاعلين يفوقونهم قدرة وقوة.
مهما يكن من أمر، فإن منبر خطبة الجمعة ليس ساحة لترويج أحلام لا سند لها، بل هو مكان للحديث عن الحقائق، لإرشاد الناس وتوعيتهم بقيم العمل والبناء. استغلال المنبر لإضفاء شرعية على مواقف أو سياسات بعد وقوع الكوارث ليس فقط تضليلًا، بل هو إساءة صريحة للعقل والدين معًا.”
د. محمد عبد الحميد
سودانايل أول صحيفة سودانية رقمية تصدر من الخرطوم