الجنجويديزم تُهمة من؟ أكاذيب المُثقف السوداني اللامتناهية

ظل المثقف الشمالي (مُثقف المجال الإستيطاني والهوية الوطنية المصطنعة في الجغرافيا المفيدة) وسط السودان الأنغلو مصري وظله التابع من أنصاف المتعلمين في داخل مجتمعاته الإثنية المناطقية المصغرة ، أو رواد الشعور المُفرط بالدونية من نخب التبعية (الفلنقاتيزم) اي المجتمعات (الخاضعة) لهيمنة مُغامري الممالك الشمالية العشرة الهاربين إلى الريف أسوة بالمماليك الهاربين جنوباً ، في مجال السلطة والحكامة منذ القرن التاسع عشر (1820) ، ظل منذ سبعين عاماً ينتج الأكاذيب ، الرواية التأسيسية الكذوب والتهويمات الفارغة ، حول نفسه ويصدِّرها للخارج مُنشغلاً بتصدير تشظياته الهوياتية بين هوية بروليتارية ريفية فقيرة وصدمة ثقافية إستعمارية مدنية في نهاية الثلاثينات ومنتصف الأربعينات.

رواية موسم الهجرة للشمال (الطيب صالح) أحد أبناء مملكة البديرية في السودان الشمالي النيلي وبطولة (مصطفى سعيد) أو فحولته المُتخيلة ، واحدة من مضارب ذلك الخيال المريض للمثقف الشمالي الذي يُترجم معاناته مع المازوخية السياسية والإجتماعية والقهر في واحدة من ثلاثة سرديات لا داعي للتعرض لها حملة الدفتردار وحملة محمود ود أحمد وحملة جاكسون باشا ، التي خلقت عقدة فحولة سياسية موروثة لدى المثقف الشمالي ، الذي يقول جوزيف قرنق (1970) إنه يتحول إلى (ذئب) بمجرد تمسكه بأدوات السُلطة.

مناهج الجهاز الأيدلوجي لدولة مابعد الإستعمار (1956) مثل تلك المكتوبة في بخت الرضا (1934) المسموعة إذاعة أم درمان (1945) وصولاً إلى جامعة الخرطوم (1960) ، أنتجت (قلباً كاذباً للرواية) Inverted narrative الأساسية رواية الشعور المفرط بالدونية الإحباط واليأس التاريخي لدى المثقف التقليدي السوداني (الشمالي) من خلال تخليق وعي أسطوري زائف يسمونه (السودانوية).

من ذلك أن المُثقف التقليدي أو الوظيفي السوداني (الشمالي) مشدود إلى سلطة الصورة الذهنية لدى الآخر ، بشكل تضخمي مُبالغ جعل منه شخصية مزدوجة الوجدان مزدوجة الضمير لا ترى ذاتها إلا من خلال مرايا الآخرين ، مرجعياتهم الإستشراقية عنه وتقاريرهم الثقافية (أهـ : مصطفى شركيان ، بابا هومي).

أهم تلك المرجعيات التقريرية المُقترضة (رواية الشعب السوداني الطيب..) ، في مدعاة لترويج قبوله – تقبله في مُجتمع الرفض المشرقي العربي للإستطراف والإستهماش وتبني الهويات الطرفية الهامشية من قبل الكمبرادور المصري بعد نهاية الناصرية (1970).

بعد 2003 انتج المثقفين البرومو يساريين (يساري هامشي) من أبناء السلطنات الإقطاعية الإفريقية في مديرية دارفور ، رواية الجنجويد بسيناريو سينمائي أمريكي مابعد 11 سبتمبر كشاهد (إدانة ثقافية) لمُجتمعات بداوة لم تخضع تاريخياً لسلطة مؤسسة الحكم إلا خلال ستينيات القرن العشرين في صحراء أقصى شمال الإقليم.

تجاهل الإعلام الغربي في تبنيه الثقافي لتلك الرواية ، الإبادة الأساسية والرواية الأصلية عن ثورة زنجبار جديدة (متخيلة) كانت تمثل هتاف قرنق (1983) عن الأصلي والمُستوطن ، كما أشواق نيريري (الكسولة) التي ترى في الإبادة (معكوسة) أو (التحرير الكامل) بدون حُدود ثقافية بدون مجالات إجتماعية مُتخيلة بدون فصل بين تلك العوالم المُتخيلة ، رؤى الخلاص الوطني الكسولة التي كانوا بصدد تنفيذها في حق تلك المُجتمعات (المُستوطنة) لا التشكيلات الإجتماعية (المُنافسة) ، من أجل إيجاد هوية إثنية (أصلية) خالصة بدون أقليات عربية أو خلاسية (رواية تحرير دارفور).

محمود محمداني وآخرين : مُنقذين وناجين (المُعضلة الرواندية).

خطاب الإبتزاز التاريخي والإبتزاز الإجتماعي ، قبل وبعد حرب 15 إبريل 2023 ، حول حقوق الإنسان في السودان هو خطاب ذرائعي لم يؤمن به يوماً قائليه الذين تدثروا به لممارسة الهمجية بلا رقابة ، ممارسة الإنحياز الذاتي برقابة في إتجاه واحد ، بعين واحدة. وممارسة (الإبادة) بموافقة الضمير (الأعلى) وتغاضي أو تواطؤ الرأي العام الغربي.

آخر تلك الإكليشيهات الذرائعية (الشيطنة) ، هي ما عُرفت برواية إبادة المساليت في أول شهر من حرب 15 إبريل ، الإبادة التي كانت حائلاً دون تنفيذ القوميين من تلك الإثنية ، أكبر عملية تطهير عرقي مُنتظرة وموعودة منذ حرب 2003 ، بدعم إجتماعي وسياسي من تحالف السلطة الإنقلابية ومساعدة شبكة الدفاع عن المصالح التراكمية البدئية غير المشروعة بعد 25 أكتوبر 2021 للتخلص من الوجود الديموغرافي لإثنيات (الجنجويد) في المدينة.

  • هل توجد إبادة وقائية وأخرى هجومية؟ هل توجد إبادة بدائية وإبادة مفرطة غير متكافئة رد الفعل؟
  • إبادة مُبررة تاريخياً وثانية غير مُبررة؟

يبدو أن مفاهيم التفوق العرقي والإستحقاق حاضرة في سردية الجنجويديزم المُخاتلة ، التي كان قد بدأ كتابتها قبل عقد وزيادة الكاتب المغمور بركة ساكن ، الذي أشتهر من خلال كتاباته التي كانت الغاية منها تجريد فاعل مُنافس من آدميته بعد الخيبة في نزاله وهزيمته بأدوات العنف الكلاسيكي (الحرب) والقهر الفاشي (السلطوية البربرية) ، في صراع القوميتين الدارفورية والشمالية التاريخي على السُلطة المطلقة والإذلال اللانهائي للآخر.

مكاتب أنتلجنتسيا التنظيم الدولي لمدرسة الإخوان المسلمين التحريفية ، المتناثرة مابين لندن وإستانبول ، أخذت سهمها التبشيري من الترويج المجاني لرواية الإستقواء بالآخر (رواية الجنجويديزم) وتوحش مجتمعات بدو الجنجويد ، في مداخلات توكل عبدالسلام كرمان ، إحدى راهبات جائزة نوبل ، التي لديها تاريخ آخر من تبني سرديات زائفة عن حرب اليمن (2014) والصراع الطويل لثورة سبتمبر 1963 الحضرية ضد الريف اليمني في الشمال والجنوب صيف 1994 ، كما أيدلوجيتها النزاعية مع الحاضنة الإجتماعية الزيدية في أقصى شمال اليمن.

لتأتي مُداخلتها التضامنية مع جمهورية الإستقلال الإستيطاني في الخرطوم بسبب التشابُه السياقي بين البنى الإجتماعية المُهيمنة نفسها مابين صنعاء , نُخبة تعز ومُستعمرة الخرطوم ، التضامن أو التواطؤ المُؤسسي بين الطبقات المُهيمنة في العالم العربي مع الإبادة الجماعية ضد المناطق المغلقة في السودان (زنجبار الأخرى) ، التي تذهب إليها المخيلة المشرقية العربية الناصرية والخليجية معاً.

راجع : مارك ساندرز (2002) , التواطؤات ، المثقفين والفصل العنصري.

الحقيقة أن تاريخ الفُتوحات الإسلامية وضحايا توحُشها من تلك الشعوب الأصلية المقهورة (من السبي إلى الجزية) لا يُسعف روايتهم (الحضارية) المزعومة التي بذلوا أزيد من قرن من قبل لتنقيحها ، في سياق تواطؤهم المؤسسي الثقافي ضد – مع إبادات تاريخية أُخرى وحاضرة ، قبل أن تُحرجهم (داعش).

حسام عيتاني : الفتوحات الإسلامية في رواية المغلوبين.

الهمجية أو البربرية جُزء أصيل من تاريخ المُجتمعات السودانية الخاضعة للإستعمار في القرن العشرين (المناطق المفتوحة) ، كمُجتمعات حصلت على براءة التمدين الإستعماري البريطاني في الثلاثينات بعد سلسلة طويلة من الفظائع والضحايا البشريين (منصور خالد : جنوب السودان في المخيلة العربية) بحق المناطق المغلقة ، تلك التي بقيت حائلاً دون إستكمال مُهمة الرأسمالية المتأخرة لبرجوازية المملكات الشمالية العشرة الصغيرة متمثلة في ثلاثي الإحتلال والإستدخال والتهميش ، من بينها قرنين من الإسترقاق والإحتلال والإبادة ضد شعوب الجنوب الكبير.

نصف قرن من السُخرة والقنانة وإبادات الأقنان من مذبحة عنبر جودة (1956) والجزيرة أبا (1970) بإستدعاء الطيران الحربي الأجنبي إلى مذبحة كمبو طيبة (2024) ، نصف قرن من حروب الإبادة الثقافية , البرومو إسلاموية والبرومو إشتراكية ، في الجنوب الكبير من أجل إخضاع ثقافاته.

الشعر الشعبي لتلك المُجتمعات (الإستيطانية) المهيمنة التي لازالت تحتفي بتاريخ همجيتها المُقدسة ، مُمارستها الإبادة في القرن السادس عشر (مذبحة العنج) ضد السكان الأصليين والقضاء التام على وجود الشعب الأصلي لمملكة سوبا ، هو الشاهِد البلاغي في أبنية نظرية الإنتخاب الطبيعي لرواية تحرير الخرطوم (معكوسة) ، المدينة الإستيطانية البيضاء التي ظلت لقرن نيوكولونيالي مديد تقاوم السكان الأصليين لهذا البلد والمهَمشين الريفيين مُقاومة نيوكولونيالية عنيفة ، تضعهُم في مصاف أو زرائب العشوائيات وهجاء التشوه البصري لمدينة المُستوطنين العثمانيين والكابوي الشمالي الأسود (مملكات الشمال النيلي العشرة).

في مواجهة كلامية بمؤتمر المائدة المستديرة الفاشل (1942) ، بين الزعيم التقليدي الجنوبي والمتكلم من إثنية (الزاندي) اقري جادين ، صوَّب جادين تجاه واحداً من مثقفي تلك الممالك الكاوبوية العشرة أنهم أحفاد الزبير باشا النخاس الشهير الذي أوجد له رواد الإبادة الثقافية من مثقفي الشمال النيلي بطولة وفحولة فاشية تنموية زائفة ، فما كان منه (عبدالخالق محجوب) ، إلا الإحتفاء بتاريخ قطع آذان البشر نفسه قطع الرؤوس عقدة الملك نمر وبُنَوة (أشبال) الزبير باشا ، التي أفضل تسميتها (الزبيرلوجيا) Zubayr-logy بعد أن أبرز مُنظر الفاشية الشمالية عبدالله علي إبراهيم إطلاقة الزبيرتاريا (المهدوية).

ما الذي تغير أو غيرته معادلة حرب 15 إبريل؟

هو أن المناطق (المفتوحة) التي لا تقل وحشية عن أي تجمُع كولونيالي بديل آخر أو إستيطاني ، إكتسبت مناعتها الثقافية وأقامت تواطؤها المؤسسي ، كما إكتسبت قُوة ثقافية مضادة وتفكيكية ، قامت ببناء أجسام ثقافية مضادة ضد رواية التهميش وسردية التحرر الوطني , ضد الخطاب السياسي في المناطق المغلقة.

أن أنغال الدفتردار وحملاته الثقافية سادنة الإستعمار المُستمر ، تعلموا كثيراً من تاريخ القرن التاسع عشر وتجاوزوا إستخلاص ثأرهم التاريخي من هزيمتهم في القرن التاسع عشر (1898) ، أنتجوا غردونهم الجديد قائداً للجيش مابعد الكولونيالي (2019) وتسلحوا بالمناعة الثقافية والحذر التاريخي ضد خطاب التغيير السياسي وخطاب التهميش الإجتماعي ، حائلين أمام إنتاج ثورة مناطق مغلقة جديدة , أمام مهدوية (ثورة جنود) أخرى.

مُحافظية سياسية تُؤجل الثورة الوطنية الديمقراطية الزاحفة من الريف على نهج ماو تسي تونغ (ثورات المناطق المُغلقة) ، وتعيد إنتاجيتها في قوالب وسياقات بعيدة وبديلة ، لكنها لا تُحرر فرازلوجيا (نهاية الثورة) في إضبارة نهاية التاريخ المُتبددة من حتميتها ، أوهام عبدالله على إبراهيم , تحذو أوهام الأبارتهايد الساقط.

  • مالك مجموعة سودان بريدجز للإستشارات الأمنية والإتصال.

Sudan Bridges Advisory Group For Securatic Consulting and Communication.

northernwindpasserby94@gmail.com

زرياب عوض الكريم

عن زرياب عوض الكريم

شاهد أيضاً

إمتداداً للحرب غير الضرورية ضد الريف

زرياب عوض الكريملم تكن ثمة مُبررات واضحة لإعادة نقل نزاع حرب الخرطوم في 15 إبريل …