مُشكلة السودان العاجز ليست هدم المؤسسات ما بعد الإستعمارية

زرياب عوض الكريم

هناك محاولات عديدة فاشلة لتعريف (الهيمنة) كما هي ، وتوصيف مشكلة الصراع (السيكولوجي) التنافسي لإكتساب ذات الهيمنة ، خلال فترة جلاء وخروج الإستعمار البريطاني وإدارته الثنائية الأنغلو مصرية (1898-1924) ، الفترة الممتدة من بداية الحرب العالمية الأولى إلى نهاية الحرب العالمية الثانية.

في مُواجهة الإستعصاء الشكلي لعملية نقل السلطة Succession ، ومن ثم تفويضها devoultion of power إلى مستحقيها الأصليين ، مُجتمعات ماقبل الإستعمار ، إلى الأقاليم السبعة التاريخية الكبرى ذاتها قبل (1820).

أُنتجت العديد من النظريات بينها نظريات المؤامرة الإثنية العديدة ، لتفسير هيمنة الشماليين وتحالف الأقليات الخُلاسية وغير الخُلاسية (الكريول) ، التحالف التجريبي الذي إحتفظوا بالسُلطة من خلاله.

التحالُف الإستيطاني ، الذي ساعدهم في الإستحواذ على السُلطة الإستعمارية الحديثة (القرن التاسع عشر) أو وراثتها في النصف الثاني من القرن العشرين (إقامة نظام للحفاظ على الإمتيازات الطبقية لأنتلجنتسيا القومية الشمالية وبرجوازيتها الصغيرة وإدامتها وراثياً ) hereditary system.

كما إفشال عملية إنتقالها إلى الشعب أو مجتمع الشعوب الوطنية ، الذي تتكون منه الخريطة الكارتوغرافية للدولة وإعادة تشكيل مؤسساتها وفق تصورات هذا التحالف الإجتماعي. للتخلص من ميراث المواطنة المدنية الذي تركه البريطانيين.

إعادة إنتاج خريطة هذا التحالف الإستيطاني بإستمرار خلال سبعين عاماً من تجربة الإستعمار الداخلي المستمر ، لا يحجب الحقائق التاريخية الخالصة كما هي ، ان المشكلة الأساسية تتلخص في عملية نقل السلطة ، وهي مشكلة بسيطة غير معقدة تسمى مشكلة (نمط القيادة) ، لا في طبيعة المؤسسات الإستعمارية ، في مقدمتها الجيش (قوة دفاع السودان) وتواريخه الطويلة -السلبية- وظروف تأسيسه قبل وبعد بناء الدولة الحديثة ، على يد الميجور جنرال ونجت باشا.

نظرية تشكيل الإمتيازات (الزبونية الإثنية) أو (الزبونية الإجتماعية) Social privilege theory ، تتبعها سردياً توليدات نظرية مابعد الإمتيازات أو الصراع المُجتمعي على الإمتيازات (إكتساب العُنصرية المؤسسية) ، واحدة من النظريات التفسيرية التي راجت لاحقاً عن إستعصاء نقل السلطة مابعد الكولونيالية أو تفويضها.

تفسير مُقاومة القومية الشمالية الموالية تاريخياً للإستعمار أو الأكثر ولاءاً في الحقيقة ، وإنكار هذه المقاومة الإجتماعية لعملية نقل السلطة مابعد الإستعمارية و تفويضها.

بما في ذلك توظيف تقاليد الإضطهاد العِرقي المتراكمة أو العنصرية المؤسسية واللامؤسسية والكراهية العرقية والتمييز الطبقي المؤسسي للإحتفاظ بالسُلطة والتمسُك بها.

سواء ذلك بشكل داخلي (إغلاق باب التداول على السلطة وحجب الديمقراطية الداخلية) بالتالي فتح الباب أمام الإنقلابات العسكرية (الإختيار الشمولي) ، أو خارجي بما فيه الإستقواء بالآخر (الإثنيات الأخرى) التي لديها دوافع قوية للتخلص من الهيمنة ، لنزع السلطة من المجموعات الداخلية المنافسة أو المسيطرة (الإختيار الثوري).

العلاقة مع الجنوب الكبير ، هي مسألة ثقافية تاريخية خاصة لا علاقة لها بموضوعة هذا النقاش ، سابقة على ولادة الدولة الإستعمارية (علاقة إحتلال تمت أو تواصلت تحت مراقبة الإستعمار نفسه ، لا تهميش أو إستطراف ، عدم إندماج إجتماعي سياسي).

لم يترك البريطانيين أية تقاليد سياسية واضحة لنقل السلُطة مثلما فعل فيردريك لوغارد في نيجيريا الشمالية والجنوبية (1914) اللتين لم يكونا موحدتين تحت الإستعمار مثلهم مثل السودان الشمالي والجنوبي وتشاد الشمالية والجنوبية الخ لإدراك الإدارة الإستعمارية هذه التناقضات ، لكنهم تركوا اشكالاً غير منسجمة من التمثيل الإجتماعي السياسي ، وآليات غير واضحة غير موحدة لهذا التمثيل.

من أجل ذلك كانت آليات التمثيل السياسي الإجتماعي ، هي عبارة عن مُبادرات سياسية إجتماعية مُحددة لا مُؤسسات ، مثل مُذكرة كرام المواطنين التي مثلت تحالف عائلات الإقطاع الإستعمارية تحت قيادة عبدالرحمن المهدي (1924) ، حزب بوث ديو (الحزب الليبرالي) والأحزاب الإستوائية في الجنوب التي مثلت القيادات التقليدية والنخبة الجنوبية العمالية (الثلاثينات) ، مؤتمر الخريجين الذي مثل البرجوازية الصغيرة لمملكات الشمال النيلي العشرة من أصول بروليتارية ريفية (الثلاثينات).

عكس ما في نيجيريا وتطورات مابعد فريدرك لوغارد والهند (1935) وماليزيا (1948) حيث عرفت هذه المستعمرات نظما فيدرالية مكتوبة ومتفاوض عليها إجتماعياً مثل الفيدراسيون ثم الإتحاد الهندي (1950) والإتحاد الفيدرالي في ماليزيا ، لم يعرف السودان الشمالي أو الجنوبي إقامة نظام إتحادي أو ملكيات فيدرالية ربما لمقاومة النخب الإقطاعية والبرجوازيات الصغيرة الشمالية مثل هذا التوازن الإجتماعي الذي لم يكون موجوداً في السودان ، الذي إستعاض عنه الإستعمار البريطاني بإحياء الإدارة الأهلية نقلاً عن نموذج نيجيريا بعد إفشال حركة أو تمرد الجنود الزنوج المنحدرين من مناطق الجنوب الكبير المسماة باللواء الأبيض (1924).

غياب التوازن الإجتماعي وإمكانية الإتحاد الفيدرالي في السودان الإستعماري أو إيجاد مؤسسات حكم ، لا تعود إلى البريطانيين بل إلى تجربة الإستعمار التركو مصري ذي الطبيعة الإستيطانية sourgute colonialism ، التي تولت تدمير المجتمعات الأصلية وإلغاء إستقلالها الذاتي Autonomy.

إلغاء التنظيم الإداري الأصلي الكونفدرالي للمُجتمعات في عهد السلطنات الإقطاعية الإسلامية الإفريقية (السوداء) السائدة في القرن السادس عشر من سلطنة دارفور إلى سلطنة سنار (1820) و (1876).

تعويض غياب التوازن الإجتماعي ، من خلال إعادة النظام الفيدرالي الأصلي أو إيجاد الفيدرالية ، ليس مسألة سهلةً على الإطلاق في السودان الشمالي (بل يتطلب حرباً أخرى أكثر ضرواة و ربما دموية من حرب 15 إبريل 2023 ، حرب مناورة عسكرية وحرب مواقع ثقافية عنيدة) ، الذي كانت الحركة السياسية الإجتماعية (الديناميات الإجتماعية) فيه ضعيفة للغاية ، حركات خاملة ، وحركات محدودة المفاهيم بسبب العزلة الجغرافية الإجتماعية التي يعيشها السودان منذ القرن السادس عشر الميلادي ، وضعف الإرتباط الثقافي بالغرب والتحولات العالمية الذي كان يمكن أن يعبئ الصراعات المحلية الإجتماعية المختلفة ، مثل حركة عبدالقادر ود حبوبة (إثنية الحلاوين) – حركة عبدالله السحيني (إثنية القمر) إلخ ، بالأفكار اللازمة (الثقافة السياسية) والمفاهيم الثقافية الأيدلوجية المتنوعة المُحركة للصراع الإجتماعي.

ليست سهلة بسبب نموذج الوطنية الإستيطانية (المدنية) settler nationalism ، في بلد إثنيات وقبائل , بلد ريفي ممتد الحدود والتخوم من الصحراء ومجتمعاتها ذات نمط الإنتاج العبودي إلى الغابة المشاعية البدائية ، بلد لا حضري non metropolitan , ليس بلد مدن وحواضر قارة.

نموذج قومية بدون أمة (أمم) بدون مجموعات عرقية ، الذي إعتمدته الحكومة التركومصرية لنحو ستين عاماً ، قادت إلى تدمير المُجتمعات الأصلية وإضعاف تنظيمها الإجتماعي الإقتصادي وإلغاء تنظيمها السياسي ، إلى عملية إقتلاعها في مضاربها enracinement.

إيجاد الفدرالية تتطلب نسف مجموعة من المفاهيم المؤسسة للصراع الإستيطاني في السودان التركو مصري والقومية الإستيطانية ، التي تمثل مكسباً (غير مشروع) أو إمتيازاً إجتماعياً لكثير من الأقليات المتعايشة والعابرة للحدود أو غير المرتبطة بالأرض.

لكن يمكن الإنتقال إلى نظام شبه فيدرالي quasi federalism أسوة بنيجريا وماليزيا ، وصولاً إلى فدرالية كاملة متعددة القوميات ونموذج قومية أصلية Native nationalism ستاليني ، على غرار الإتحاد السوفياتي يراعي حماية الأقليات ومُشاركتها.

حل الجيش أو المؤسسات الإستعمارية الحديثة الأخرى ، مثله مثل رؤى فصل السودان وتقسيمه تفادياً للصراع على السلطة أو إغلاق الباب وصده أمام مطالبات نقلها ، هو مؤامرة اليسار الشمالي المنافس بحدة لليمين الشمالي ، لإغلاق الباب أمام عملية نقل السلطة وإنهاء المواربات الإجتماعية بإعادة إنتاجها داخلياً في صفقات سرية.

في ظروف من عدم التوازن السياسي الإجتماعي العسكري أو الإضطراب في الموازيين التاريخية في غير صالحها.

حرب الخرطوم 15 إبريل 2023 أو حرب الريف 1955 ذات النمط الكنغولي الزائيري (الزج بالمدنيين في الصراع الإجتماعي المسلح على السلطة – الهيمنة) ، إندلعت في السودان الشمالي بين الأصدقاء واحياناً الرفق في فصل دراسي واحد.

مثالاً الرفيقين في الجيش (حميدتي – البرهان) ، المُريدين في طريقة واحدة أو بين الشيخ والتلميذ (الترابي – على عثمان طه) ، أو بين مثقفين في نفس مدرسة الإستعمار (رمبيك – حنتوب) ، بسبب تقاليد الإضطهاد العِرقي , التمييز العنصري المؤسسي class discrimination (الغرابة فوبيا مثالاً) أو العُنصرية الإجتماعية المؤسسية المتخذة كخطاب ذرائعي. بما يتخطى كل العلاقات الشخصية والتابوهات الأخلاقية البسيطة والمدنية والدينية.

كذرائعية واعية للحفاظ على الإمتيازات الإجتماعية المجانية للقومية الإستيطانية (البيضاء) في وسط السودان.

تلك التي تسندها القومية الشمالية (البرجوازية الصغيرة للممالك الشمالية العشرة) ، كقومية إقليمية مُستحوذة أو مُهيمنة من خلال أدوات الهيمنة والقهر المعروفة. (غرامشي).

مثل هذه العنصرية المؤسسية , تقاليد الإضطهاد العِرقي (شعار : لن يحكمنا رزيقي) أو (مافي أورطة بتحكم دولة) أو (no federation.. ) الخ.

عدم الثقة الإجتماعية في مُؤسسات الحكم مابعد الإستعمارية (الموروث عن الإستعمار) جراء جرائم النخبة التي إستولت على الحكم خلال سبعين عاماً ، تُكافح من خلال ترتيبات نقل السلطة ، تغيير القيادة إلى نسق تبادلي بضمانات (فيدرالية) محددة.

لا يمكن تغيير نمط القيادة إلا من خلال نقل تجربة الحُكم إلى إثنيات وطنية أخرى ، من خلال توطينٍ للمساومة السياسية و ممارسة الحوار بعيداً عن إستخدام العنف الدولتي لإلغاء الآخر.

كان قد إنتهى عالم الإجتماع الأمريكي من أصول هندية شمس الرحمان خان ، إلى سلسلة من الملاحظات حول تأثير الإمتيازات الإجتماعية أو العرقية على السلوك التنظيمي للنُخب.

قائلاً أن تلك الإمتيازات التي تنشأ النخب تحتها تصنع منها نخباً (نخب مراهقة) Adolescent Elite. وهو حال نخبة مابعد (1956) النيوكولونيالية. التي يجب أن تفقد السلطة كي تعود إلى رشدها الإجتماعي الممكن.

اما مسار التجريف الإجتماعي ، العراق وليبيا أفغانستان الخ يمكن أيضاً إضافة هاييتي ، مسار هدم مؤسسات الإستعمار الموروثة ، فهو مسار طريق اللادولة الطويل (خمسين عاماً من اللاإستقرار والأناركية الفوضوية طويلة الأمد).

نقل قيادة الجيش إلى إثنية أخرى بترتيبات توافقية (صفقة من داخل منظومة الهيمنة) ، أو من خارجها (التدخل والوساطة الدولية) يمكن أن ينتج نتائج مختلفة. وينتج إصلاحاً مؤسسياً هادئاً ، في الوقت الذي يُمثل حضور الإثنيات المختلفة في قيادته مكسباً أو بريق مُومض من بقية أمل يمكن التعويل عليه.

مثل كينيا الهند باكستان تايلاند الصومال بعد مشوار طويل. وهو افضل من مسار المحو والإثبات.

إذ لا يمكن إنشاء جيش جديد قبل مضى ثلاثين عاماً يتجاوز فيها الناس آلام الذاكرة ، وصراع الذاكرة ، الخوف الإجتماعي ومخاوف الأمننة والإنتزاع exclusive track.

لا يمكن إنشاء جيش أو مؤسسة عسكرية جديدة بدون تقاليد ، ومن دون قماشة الماضي (أو هكذا تنتهي عبارات التاريخ).

  • مالك مجموعة سودان بريدجز للإستشارات الأمنية والإتصال.

Sudan Bridges Advisory Group For Securatic Consulting and Communication.

Northernwindpasserby94@gmail.com

عن زرياب عوض الكريم

شاهد أيضاً

إمتداداً للحرب غير الضرورية ضد الريف

زرياب عوض الكريملم تكن ثمة مُبررات واضحة لإعادة نقل نزاع حرب الخرطوم في 15 إبريل …