بقلم الصادق علي حسن
أزمة الدولة السودانية نشأت لعدم إلمام غالبية أفراد الشعب السوداني بقواعد تأسيس الدولة، وقد تأسست الدولة بقواعدها الخمس المجازة من البرلمان المنتخب ديمقراطيا في نوفمبر عام ١٩٥٣م ، داخل مدة ولايته البرلمانية ذات الثلاث سنوات التي تبدأ من أول جلسة إنعقاد له في (الأول من يناير ١٩٥٤م لتنتهي في ١٩٥٧م) ، وقبل إنتهاء الولاية بنحو عام وتحديدا في ١٢ ديسمبر ١٩٥٥م فاجأ الحاكم العام الإنجليزي السير ألكسندر نوكس هلم آخر حاكم عام للسودان أعضاء البرلمان السوداني الأول بتقديم استقالته، وأعلنت بريطانيا انها لا تنوي تعيين حاكم عام جديد للسودان ، فاهتبل نواب شعب السودان المنتخبين ديمقراطيا هذه الفرصة ليباشروا السلطة التأسيسية الأصلية، والتي لا تباشر إلا مرة وأحدة لقيام الدولة السودانية المستقلة ، فأجزيت أربع من القواعد التأسيسية للدولة في ١٩/ ديسمبر/ ١٩٥٥م والقاعدة الخامسة في ٣١/ ١٢/ ١٩٥٥م ، وحددت قواعد تأسيس الدولة ماهية الدولة السودانية وشعبها وأراضيها وأركان الدولة الثلاثة (الأرض والشعب والسلطة ذات السيادة)، وبموجب قواعد التأسيس أجاز البرلمان استقلال البلاد من دولتي الحكم الثنائي واعترفت دولتي الحكم الثنائي بالدولة المستقلة وتبعتهما دول آخرى وتم إيداع وثائق إنضمامها للأمم المتحدة ، نشأت في أراضي السودان الإنجليزي المصري التي آلت إليهما من التبعية للخلافة العثمانية في الأستانة ، دولة سودانية مستقلة ديمقراطية مدنية فيدرالية (استحقاق الجنوب للفيدرالية ضمن قواعد التأسيس) ، تتشكل أجهزة الدولة التشريعية من مجلسي النواب والشيوخ ،وجهازها السيادي من مجلس سيادة يتشكل من خمسة أعضاء مدنيين ،وجهازها التنفيذي من مجلس وزراء ينتخب رئيسه من داخل البرلمان ليُشكل حكومته المدنية وسيادة أحكام القضاء المستقل ، إن برلمان الحكم الذاتي وتقرير المصير الذي انتخب في ظل الإستعمار (١٩٥٣- ١٩٥٥)كان مهامه ممارس الحكم الذاتي في ظل الإستعمار والتقرير في مصير الدولة ،أجاز برلمان الحكم الذاتي تشكيل الهياكل المؤقتة للدولة بموجب دستور السودان المؤقت لسنة ١٩٥٦م لينتخب الشعب جمعية تأسيسية من كل أقاليم السودان هذه الجمعية هي المنوطة بها أمر التقرير في تأسيس الدولة ووضع الدستور الدائم للبلاد . المؤسسات التي أنشئت بقانون الحكم الذاتي وتقرير المصير ليتدرب السودانيين على ممارسة الحكم والتقرير بشأن مصير أراضي الدولة وشعبها، وكانت هنالك الهوية العثمانية التي حلت محلها الهوية المصرية بموجب اتفاق ١٩٣٦م السيادة المشتركة على أراضي السودان وقد صار ملك مصر ملكا على السودان والفونج والنوبة ودارفور فالهويات الآخري، وكانت هنالك هويات سابقة على الأراضي السودانية منها الهوية المهدية وهويات ممالك سنار والفور والمساليت وكردفان وتوابعها المشار إليها في فورمان السلطان العثماني والصادر في عام ١٨٤١م حتى قبل ان تبسط قواته العسكرية سيطرتها على دارفور لاحقا في عام ١٨٧٤م وكانت تشير بتولية محمد علي باشا وورثته من بعده عليها ،ضمن نطاق ولاية مصر عليها ،لتشمل مناطق أعالى النيل والاستوائية التي قام صامويل بيكر في حملات عسكرية بعد تعيينه بواسطة الخديوي إسماعيل في (عام ١٨٦٣م) بضمها وتم تنصيبه حاكما عليها .
إنهاء دولة ١٩٥٦م والتأسيس،.
حتى الآن ،لم تطرح أي قوى حزبية أو مدنية أو مسلحة ضمن قوى تأسيس تصورا للتأسيس الذي أخذ التحالف المذكور إسمه منه ، الدعم السريع يرفع شعار إنهاء دولة ١٩٥٦م ولا يمتلك أي تصور لهذا الإنهاء ،كما ولم يدرس بعمق مآلاته ، فهو يربط الإنهاء بالحكومات التي تأسست في ١٩٥٦م ، بتصور أن مجرد حدوث الإنهاء لمرجعيات تشكيل حكومات ١٩٥٦م ، تلقائيا يمكن مباشرة التأسيس الجديد من خلال منصة جديدة ، ولا يُدرك بأن الإنهاء إذا حدث هكذا لآلت الأمور والأوضاع للتكوينات التي نشأت منها دولة ١٩٥٦م وبالتالي بروز الحقوق التاريخية التي كانت موجودة من مماليك وسلطنات كانت قائمة على الأرض، ففي دارفور مثلا تبرز الأوضاع التي قائمة على الأرض (سلطنة الفور التي كانت قائمة حتى عام ١٩١٦م مقتل السلطان علي دينار) ، و(سلطنة المساليت التي كانت قائمة حتى عام ١٩١٩م بالانضمام الرضائي بموجب إتفاقية قلاني الموقعة ما بين سلطان المساليت وحاكم عام السودان) وقد كفل الاتفاق المذكور للسلطنة المذكورة حق الاستفتاء بعد مرور ٧٥ عاما، وإذا حدث ذلك الإنهاء الذي يرفعه الدعم السريع كشعار ، لن يستقيم وقتذاك التمسك بالأوضاع التي أنشئتها قواعد التأسيس الخمس المذكورة ، وبالتالي لن يكون لتحالف تأسيس ولا للدعم السريع صفة التقرير بشأن الأوضاع الجديدة ، بل ستبرز مطالب الممالك والسلطنات التي تظهر تلقائيا .
إن الشعار الذي يرفعه الدعم السريع ومؤيدوه من أول نتائجه في إنهاء دولة ١٩٥٦م بروز أصوات جديدة، وفقدان تحالف تأسيس والدعم السريع للصفة ما لم تتخذ الأوضاع المستعادة مرجعية وإذا فعلت ذلك ستنشأ أسباب لمنازعات جديدة .
الحلو الإعتقال في دائرة شعار مربع العلمانية :
د. جون قرنق الزعيم التاريخي المؤسس لحركة تحرير السودان طرح مطالب التغيير السياسي والإجتماعي والاقتصادي في السودان بمفاهيم مستوعبة لإدارة التنوع والتعدد ، ونظر د. قرنق للعلمانية باعتبارها من الحقوق التي تكفل في الدولة كغيرها من حقوق الفكر الإنساني ،كما ونظر للإعتقاد الديني السماوي والوضعي باعتبارهما من الحقوق التي تكفل للمعتقدين ،ولم يعتقل قرنق نفسه في مربع العلمانية بوضع بندقيته في كتفه ليقاتل من أجلها كقضية بمعزل عن الحقوق الآخرى . وكان في كل خطاباته يتحدث بأن العقائد الدينية تُحترم ويمارسها العباد دون المساس بحقوق غير العباد. لقد اعتقل القائد عبد العزيز الحلو نفسه في مربع العلمانية ،وصارت العلمانية لديه كالدين الوضعي المقدس الذي يقاتل من أجله ، ولا يزال حول شعار العلمانية المرفوع من على فوهة البندقية، والأوضاع في البلاد قد تجاوزات الشعارات الدينية والوضعية وأصبحت القضية الأساسية مرتبطة بالحق في الحياة المهدر .
نيالا عاصمة لمشروع سياسي لم تُدرس نتائجه بعمق :
تحالف تأسيس مهتما بتشكيل حكومة موازية ، وكل التصريحات وقرائن الأحوال تشيران بأن نيالا ستكون عاصمة حكومة تأسيس ، تحالف حتى الآن لم يعلن عن برامجه وكل أهدافه محصورة في إنهاء دولة ١٩٥٦م ، وقيام منصة جديدة للتأسيس ، ولكن كيف ذلك ؟ هل التأسيس للسودان كله وقد خرج الدعم السريع إلى غرب السودان ودارفور أم لإنتاج أنموذج شبيه لأنموذج حفتر في ليبيا . نواصل
سودانايل أول صحيفة سودانية رقمية تصدر من الخرطوم