بقلم: عبدالفتاح عبدالسلام
1 أغسطس 2025
سردية “تهافت الهاربين”
هروبنا من أمدرمان القديمة ….”بدأ بخطوة واحدة” (2)
الحلقة الثانية:
في الحلقة الثانية أواصل سردية الهروب، و أود فقط الإشارة إلي خطأ أثناء الطباعة حدث سهوا، ورد في الفقرة المعنونة “الجيلي و ما أدراك ما الجيلي” – (… مثلما رأي الشاعر مريد البرغوثي الطريق إلي “رالله” …). و الصحيح بالطبع، كما لا يغيب عن فطنة القارئ، هو “رام الله” مدينة الشاعر المذكور.
شندي و مكر التاريخ …
توقفنا في شندي و يبدو أن السائق أنزلنا في سوق، لا أظنه سوق شندي التاريخية. و أسرع الجميع إلي الحمامات و هناك رأيت شخصا يقف أمامها و في يده ما يشبه التذاكر و ثمن الدخول للحمام 10 جنيهات أو نحو ذلك و استبشرنا خيرا و دفع الجميع الثمن ، غير أنني و غيري فوجئنا بقذارة الحمامات، وعند الخروج توقفت عند حامل التذاكر و توجهت إليه بلغة مهذبة: “المفروض تكون الحمامات نظيفة …”
و حاول الإجابة بلغة صعبة غير مفهومة. لم يكن في هيئته ما يشي بأنه أجنبي. جاهد بطريقته و بصوت خفيض أن يبين لي أن الشخص المسئول عن التنظيف تأخر … أو شئ من هذا القبيل. تبينت من سحنته و كلامه أنه اثيوبي وأنه من غير الأمهرا .. وربما كان من التقراي. و هذا بالطبع أحد فوائد غيابي الطويل في الخارج إذ يتيح لك مثل هذا الغياب معرفة الاختلاف بين شتى أمم الأرض؛ القريبين و البعيدين، مثل الصومالي بمجرد أن ينطق أو يمشي ، أو الفلسطيني من اللبناني أو السوري ، و الهندي من الباكستاني أو البنغالي… إلخ. و استنتجت أن صاحب الحمامات مختبئ في مكان ما و لن يظهر إلا بعد أن تختفي البصات و يعود لهذا المسكين الإثيوبي اللاجئ و ياخد منه غلة اليوم دون أن يفكر في إلقاء نظرة علي الحمامات التي فاحت رائحتها.. ما أدهشني حقا أن الخارجين من الحمامات (و هم من راكبي البصات مثلي أي من الهاربين) كانوا يمرون أثناء حديثي مع قاطع التذاكر إياه دون مبالاة … إما داخلين أو خارجين، و وجدت نفسي أنني الوحيد الذي اعترض.. و شاهدت الكثيرين منهم يتوجهون مباشرة إلي المطاعم التي يبد أنها أقيمت علي عجل – كيفما اتفق – أو إلي بروش او حصائر الصلاة …
و داخلني إحساس بأن الأمور لم تتطور، و أن عقلية “يا زول سيبك” هي السائدة… و جعلني هذا استذكر قول المفكر السوري يس الحاج صالح: “المجتمع اليوم مجتمع هويات و مهاجرين و ضواح غير منظمة، خارجة أو تكاد عن سلطة الدولة، والتاريخ لم يعد وعدا وتقدما !!! لعله لا يتحرك، مجرد تبادل بين عناصر … ليس هذا حالنا تماما. حالنا أسوأ. فنحن نجمع بين أزمة مجتمعات متخلفة، محدودة النمو الاقتصادي، قمعية سياسيا و اجتماعيا، سادها لعقود طويلة طغيان سياسي مميت ذو ملامح إبادية و فاشية”.
و راودني إشفاق غامض لذكري شاعرنا الراحل ود المكي، و رائعته التي تغني بها وردي فس الستينات: “و الحقول اشتعلت قمحا و وعدا وتمني…
و داخلني أيضا إحساس خجل بجلد الذات، فشندى، رغم كل شيء هي ذكري بطولة شاخصة مضي عليها قرنان … و إن شابها الانتقام و التشفي. و لكن شندي الحديثة التي أتذكر محطة قطارها المكتوبة بوضوح “محطة شندي باللغتين العربية و الإنجليزية” ، هي صرح بريطاني قديم أقيم بأقل التكاليف علي غرار محطات ريف سكك حديد مصر أو الهند، دون أدني إشارة إلي أنها كانت يوما بلد “المك نمر” و كذلك رصيفتها الدامر (بلد عشيرة المجاذيب). المحطات إياها شمالا و شرقا و غربا ، في اعتقادي أقيمت من قبل إدارة أو عقليه أوروبية ربما لم تكن تحفل بهذه الحمولات التاريخية أو الأنساق القبلية – رغم معرفتهم بها – ويكفي فقط أنهم استجلبوا أشجار النيم لتظليل تلك المحطات، من الهند تحديدا حتي أصبحت تلك الشجرة رفيقة للسودانيين داخل و خارج بيوتهم، دون أن يثير بعض نخبهم سؤالا بريئا اليوم …. من أين أتت تلك الأشجار؟؟؟
الدامر و صمتها …
و طوي البص الأسفلت لا يلوي علي شيء كما يقولون حتي وصلنا الدامر في الأصيل ..و فعلت مثلما فعلت في شندي .. بحثت بعيني لعلي أري محطة القطار و لكن هيهات…لا شئ سوي البيوت و كأن لا بشر فيها أو حولها … وبدا أن الطريق يتجنب المدينة و يسرع مبتعدا في عجلة … وظهر لنا كشك عندما تباطأ البص و توقف و شاهدنا عسكري جيش – يبدو متوسط السن – في زي أخضر غامق و هو يتناول جك ماء من سائق البص و وقف يتجرعه عن آخره و سط الضحكات الخافتة لركاب البص و تعليق “المسكين دا العطش كتله..” كان لباسه مبهدلا … عكس زي جنود الدعم السريع الجديد المتسق … و الذين لم نعد نراهم منذ فارقنا قرّي كيلومترات عديدة قبل دخولنا شندي. ولفت نظرنا أن العكسري المسكين كان وحده و ليس هناك أية سيارة أو آلية مسلحة بجانبه أو في الجوار … و كنت قرأت في بعض المواقع الإلكترونية أن التجنيد للقوات المسلحة قد توقف منذ سنوات عديدة و تحول للدعم السريع …
أتبرا و توالي الخيبات…..
علي أية حال أمسينا علي مشارف أتبرا و رأيت من موقعي في البص ملتقي نهر أتبرا مع النيل و تذكرت حي الداخلة الذي أمضيت فيه أسبوعا حافلا في منتصف السبعينات و سوقها الكبيرة المضيئة بالأنوار الساطعة في المساء و بعض بنات أتبرا و هن يقدن سياراتهن وسط السوق برضا تام، و مكتبة دبورة ، و الكورنيش و عبورنا الكبرى بالعجلات إلي مشرع البنطون المحاذي لمصنع أسمنت عطبرة .. مر كل ذلك في خاطري كلمحة. و في غمرة كان بودي أن أري خط السكة حديد علي الكوبري ، غير أن البص عبر الكوبرى بسرعة خاطفة – كنت اود استعادة منظر الكوبري إياه وشريط سكة القطار إكراما لذكري فيلم “آمال و أحلام” الذي شاهدته في السبعينات و أنا بعد غرٌ في سينما الوطنية غرب بالخرتوم. مؤلفه و كاتب السيناريو الرشيد مهدي و مخرجه إبراهيم ملاسي و بطلته ليلي حسن و بطله عبدالرحيم عبدالله. و كان اول فيلم روائي سوداني طويل بالأبيض و الأسود تم تصويره في أتبرا موطن صانعيه و ممثليه … و كان أملا ملأ الجوانح وقتها بغد سينمائي واعد … وأن تكون عطبرة “استديو مصر” أو “بوليود” أو حتي “هوليود” السودان …. و لكنه حلم تبخر كما تبخرت أحلام و وعود كثيرة …
شدنا منظر مجنزرة رمادية تقبع وحيدة – كما العسكري الذي رأيناه بعد نهاية الدامر – في أول “صينية” بعد الكوبري، دار حولها البص و لم تمض دقائق حتي توقف معلنا وصولنا أتبرا.
توجهنا إلي السائق و أمطرناه بسؤال حارق: أليس المشوار لبورسودان؟؟؟ و نحنا دفعنا تذاكر لخمسة مقاعد .. فهمهم السائق …. و ما فهمنا نحن الكلام …
و اكتشفنا تعرضنا لأول نصب و احتيال في ملحمة هروبنا، و ليتبين الذاهبون لبورسودان مثلنا أنهم سقطوا ضحايا لنصاب أو مجموعة نصابين موقعهم في الحلفايا و أن سائق البص قد لا يكون له يد في الموضوع … رغم شكي أو شكنا العميق بأنه سينال نصيبا من الكعكة فيما بعد من كبير النصابين.
و مثلما اعتاد السودانيون في العقود الأخيرة علي من ينصب و يحتال عليهم دون أن يروه أو يتبينوه صراحة، تماما مثل الشيطان الذي لا يظهر في النهار علي الأقل إلا أن هناك مثل “جوزيف كونراد” من رآه رأي العين فقال: (لقد رأيت شيطان العنف و كذلك صنوه شيطان الجشع….). و لو كان معنا لقال “و كذلك شيطان التكسب من الحرب و النزوح”.
المهم تفرق الركاب بسرعة و أولئك الباحثون عن الوصول لبورسودان كحالنا توجهوا لمكاتب البصات لنفاجأ بأن البصات لا تتحرك إلا في الصباح و تتجنب سفر الليل لرداءة الطريق…
حجزنا في البص المغادر لبورسودان و أبلغونا أنه سيغادر في الصباح عند الساعة السابعة… و توفقنا في العثور علي غرفة للمبيت بفندق كئيب علي بعد خطوات من محطة البصات … خيبت أتبرا ظننا إذن …. نصب و احتيال من البص الذي أوصلنا إليها ثم مبيت خشن… و أتبرا التي في الذاكرة ضاعت و لا أظنها ستعود ..
في الصباح الباكر كان البص علي وعده رغم الشكوك أو ألظن بأننا قد نجد مكانه لوري “سفنجة” يقلُنا علي ظهره مع “الشواويل” … و لكنهم صدقوا هذه المرة – أقصد سماسرة بصات محطة أتبرا. فبعد تحركنا من أتبرا لكيلو متر أو إثنين بدأ الطريق في رجرجة البص الحديث، فطريق مسفلت بهذه الرداءة لا يصلح للسفر ليلا … و تساءلت بيني و بين نفسي أين القطار لبورسودان .. و لقناعتي أنني لن أجد إجابة من أي من ركاب البص .. “تلفعت” بالصمت علي غير العادة…
تلفتُ ذات اليمين و ذات الشمال كما تقول العرب، لعلِي أري شخصا أعرفه ضمن الركاب .. أو علي الأقل من الذين رافقونا في بص الحلفايا إلي عطبرة، و علي الأخص تلك العائلة صاحبة الجوازات الأميريكية. و لكن لا أحد بالطبع، فقعنت بمشاهدة المناظر أو “اللاند اسكيب” و ياله من لاند اسكيب ، أرض حجرية بلقع و تلال بعيدة جرداء … و لكن الملل سرعان ما حل بالركاب فتخلوا عن صمتهم المريب و علق أحدهم على بؤس الأسفلت، فوجدته يجلس في المقعد المجاور وبيينا الممر (إذ تخليت عن النافذة لإبني الأصغر) . كان شابا في الأربعينات من العمر … هارب من الخرتوم يعمل في شركة في أقصي جنوب شارع الستين، ليس بعيدا عن المدينة الرياضية حيث اندلعت شرارة الحرب. عرفت منه أنهم أصلا من سواكن القديمة و نزح أجداده لبورسودان بعد أن أنشاها البريطانيون. حكي لي عن الكوميديا السوداء التي رافقت هروبهم من منزلهم … و لكنه مثلنا جميعا كان يحدوه أمل بأنها كلها أسبوعين تلاتة و تهدأ الأمور و يعود لعمله و شقته المستأجرة .. و عبر لي عن قلقه بأن تستطيع زوجته الحامل التي تجلس في المنتصف تحمل أذي الطريق البائس حتي وصولهم. و أشار لي إلي الحفر و القيزان البعيدة عن الطريق، و التي بإلكاد يمكن مشاهدتها، بأنها تتبع لشركات استخراج الذهب .. طيب أين اللافتات التي تشير إليها …
فأجابني بسخرية: “لافتات شنو؟ ديل كلهم حرامية .. يحبو يشتغلو في الخفية”..
سنكات و هيا … أو هيا و سنكات
لا أدري بالضبط أيهما وصلنا أولا “هيا” أم “سنكات”؟! فقد تشابه علي المنظر، و لم تتميز إحداهما عن الأخرى … و إن تناهت إلي ساعتها أغنية الشاعر الراحل المجيد “أبو آمنة حامد”: “في سنكات بنعشق بت سمحة و رضية ..” التي شدا بها وردي بصوته القديم النضر في الستينات .. كذلك حادثة (قطار محطة أوبو) التي تابعناها في الصحف التي كان الوالد يجلبها معه بعد الدوام و نحن في أولي مراحل المدرسة في ذلك الزمن…
ما أدهشني هو جموع من الصبية و الشبان الصغار صعدوا إلي البص حال توقفه حاملين صناديق صغيرة من الحلوي و النبق و الدوم و البسكويت … بعضهم في مرحلة المدرسة و بعضهم الآخر ربما تجاوزها .. و من المؤكد أن معظمهم يساهمون في إعالة أسرهم بهذا النشاط التجاري المتواضع .. رغم أن الركاب لم يساعدوهم بالشراء و نزل كثير منهم بحثا إما عن الحمامات أو لابتياع حاجة من الأكشاك المتهالكة المنصوبة في الموقف …
لا أدعي التعاطف المشوب بالرومانسية أو الطوباوية الفارغة … ولكني لبثت بمقعدي في البص شبه الفارغ أتامل الباعة البوساء الذين اصطفوا قرب حائط قصير تحت تلك الشمس و حرارتها اللاهبة – ممن لم تسعفهم سنهم أو ربما صحتهم بالصعود إلي البص و عرض بضاعتهم ـ نفس البضاعة الشحيحة قليلة القيمة … و استذكرت فقرة من مقال نشر في أوائل 2024 للدكتور الوليد مادبو بعنوان “الحجة الدامغة في مواجهة نيران المدفعية الآثمة” كتب فيه مايلي:
“حكي لي صديقي دكتور أحمد حسب الله الحاج أنه كان في مكتب المرحوم أحمد الأمين ترك بغرب القاش كسلا عندما جاءه أحد أهلنا البجا و تكلم معه برهة و ذهب في طريقه. سأل ترك أحمد الحاج: هل تدري ماذا قال الرجل؟ قال له: لا. قال ترك مبينا رطانة الرجل و مستنكرا واقع أهله المريع: لقد طلب مني الرجل (أدروب) التوسط كي يسمح له بالشحدة في الطرمبة المجاورة! تصور هذا حال شعب يمشي على أرض باطنها كنوز و ظاهرها رموز (رموز حضارية و إنسانية و موقع لا يضاهي في إفريقيا من حيث القيمة الجيو-إستراتيجية)”.
تساءلت أيضا عن موقف متعلمي و مثقفي البجا – و هم كثر – خصوصا الذين زاملتهم في الدراسة قديما و منهم الزراعي عثمان السنكاتي و الدكتور الطبيب إبراهيم أوشيك (لا أدري حقيقة أين هم الآن) …
و بالطبع تثور هناك أسئلة معقدة و لا بجوز تبسيط إجاباتها أو استسهالها …. من شاكلة من المسئول عن عدم انتشار المدراس و التعليم – حتي علي درجة تخلفه الماثل في أيامنا هذه – مرورا بعدالة التنمية في الأقاليم المختلفة، و توزيع الثروة … ما هو مصير تلك الخطط الخمسية التي كنا نسمع بها منذ حداثة أعمارنا … مرورا بالأسئلة العادية من مثل هل نحن ما زلنا مجتمعات ذات عقلية رعوية تجوب الفيافي و الوهاد أم عقلية خانعة مستقرة مستكينة علي ضفاف النيل؟؟ أم مازلنا نفكر و نقرر بطريقة القرون الوسطية؟ عقلية دولة الفونج الذين نسبوا أنفسهم للأمويين و شركائهم العبدلاب و اقطاعيات مكوكها المتناحرين ….
دع عنك الأسئلة العويصة من شاكلة هل يجوز لنا اعتبار أنفسنا جزءا من العالم الحديث الناتج عن الثورة الصناعية ألتي بدأت في أوروبا في عام 1776 و نستخدم بدون تساؤل أدواتها اليوم من كهرباء و مواصلات و طائرات و سيارات. نلبس منتوجاتها و نتعالج بأدويتها و نذهب اليوم للطبيب بدل البصير…..بل نحاول بلا كلل أو خجل أن تكون إدارة مؤسساتنا و وزاراتنا و جامعاتنا و مدارسنا و جيشنا (حتي في أزيائه و رتبه و معداته … و التحية المتبادلة بين رتبه) أن تكون مماثلة أو تشبه اسميا تلك التي في الدول الصناعية!!!!
يتبع ….
fattah71@gmail.com
سودانايل أول صحيفة سودانية رقمية تصدر من الخرطوم