هروبنا من أمدرمان القديمة …. “بدأ بخطوة واحدة” (3)

بقلم: عبدالفتاح عبدالسلام
8 أغسطس 2025
سردية “تهافت الهاربين”
هروبنا من أمدرمان القديمة ….”بدأ بخطوة واحدة (3)
الحلقة الثالثة:
بورسودان
“يزدهر النصابون في الفوضى، و أنا قائد قطار الفوضى”
نصّاب مجهول

غادرنا هيا و هبطنا ما يعرف ب “العقبة” و هي نتؤات عميقه بين الجبال يمر بها الطريق ذو الأسفلت المفتت في وجهته لسواكن و بورسودان. و لا أعلم حقيقة هل هي نفس العقبه التي أغلقها أعوان “ترك” الإبن في عام 2021 قبيل انقلاب أكتوبر، أم هناك عقبة أخري في اتجاه كسلا و القضارف!!.

بعد اجتيازنا العقبة إياها صعد جندي جيش من نقطة ما في الطريق و سأل إن كان هناك أجانب في البص. فاستجاب أحدهم و بلهجة لا بأس بها أقرب للخليجية معلنا من مؤخرة البص أنه باكستاني و طالبه العسكري بجواز سفره و الذي تفحصه علي نحو سريع و أعاده له دون كلام. و لا حظت أن العسكري يبدو أقرب في هيئته من العسكري “المنعزل” الأول الذي قابلنا في طرف الدامر، و إن كان الأخيرأكبر سنا و رتبة، و تساءلت: لما يبدوان – الأول و الثاني – و كأنهما من إثنية واحدة؟! و هل تغيرت تركيبة جنود الجيش لتصبح محصورة !!

أيقظني من تساؤلاتي هذه صاحبنا الهارب من الخرتوم – إبن سواكن وبورسودان – و الذي تأسفت غاية الأسف عند وصولي القاهرة أنني لم أسجل هاتفه أو الواتساب الخاص به، رغم ظني أنني أعطيته رقم هاتفي و كذلك الواتساب. و بدا منشرحا و نحن علي مشارف سواكن و أخذ يشير إلي مداخل سواكن و كذلك بعض المعالم الظاهرة و البص متجه إلي بورسودان، مثل المصفاة و غيرها. و في موقف بورسودان وسط السوق الكبير ودعناه بعد أن أرشدنا إلي موقف التاكسيات.

قضينا ثلاث ليال عند بعض الأقارب في حي المطار و توفقنا في العثور علي شقة في بناية في نفس الحي دلنا عليها أحد المعارف.

في إحدي مشاويرنا بالتاكسي في تلك الأيام الأولي تصادفنا مع سائق قال لنا أنه “بورسوداني” جاء جده من قديم من الشمالية، من منطقة مابين و مروي و الدبة، يعمل موظفا بالميناء و في بعض الأمسيات يزيد دخله بالتاكسي. صارت بورسودان مدينته التي ولد فيها و إخوته و عائلته الممتدة و لا يري سواها موطنا له سوي قريتهم في الشمال. سألته عن المشاكل التي حدثت قبل أعوام قليلة بين فرعين من البجا في المدينة فذكر لي أنها كانت دموية – دون أسلحة نارية – و من المفارقات أن قوات الدعم السريع هي التي أسهمت في فضها و عودة الهدوء إلي حين.

و ذكر لي عرضا إسم الإداري “حامد علي شاش” كرمز مضئ فيما مضي للمدينة و إسهامه الكبير في تطوير بورسودان و امتداداتها و إشرافه علي إنشاء امتداد “الوحدة”. و أضاف أن وضع بورسودان الحالي هش، و لا يعلم أحد في ظل الظروف الحالية إلي أين ستؤول الأمور….

في غضون ذلك استفسرنا في مبني الموانئ البحرية عن البواخر المغادرة إلي جدة، و قيل لنا أن البواخر ستعمل في بحر أيام و علينا القدوم للميناء لنسأل. و دهشنا للأعداد الكبيرة من البشر داخل حوش الموانئ البحرية و حولها – و هالنا مجموعات كبيرة من السوريين من شباب و مسنين و نساء و أطفال و غيرهم من جنسيات بأعداد أقل من يمنيين و بنغال. و بما أنني كنت قليل الخروج من أمدرمان القديمة خلال السنتين اللتين قضيتهما فيها منذ عودتي قبل الحرب، فلا يبدو أن أولئك السوريين يعملون أو يسكنون أمدرمان. بل قيل لي أن غالبيتهم لديهم مطاعم و محلات بالخرتوم و ورش ببحري، و يفضلون السكن في كليهما.

انتقلنا إلي الشقة في حي المطار و أصر صاحبها أن ندفع له مقدما مبلغ 15 ألف جنيه في اليوم – و هو مبلغ ضخم في تلك الأيام التي أعقبت اندلاع الحرب – و حتي بعد توسط أحد المعارف الموثوقين و هو من سواكنية بورسودان الأصليين – و الذي نصحنا في نهاية الأمر بقبول الأمر الواقع لأننا لن نعثر علي شقة بسهولة أمام زحف النازحين من العاصمة المثلثة. و كانت الشقة عبارة عن غرفة واحدة – نعم غرفة واحدة – متوسطة و بها سرير واحد يتسع لإثنين و كنا عائلة من خمسة أشخاص، و ليس بها مكيف أو مروحة من أي نوع، و لكن صاحبها وعد بتركيب المكيف في يومين علي الأكثر و جلب لنا مراتب من شقته بالطابق الأرضي، كما وعد بإحضار بوتاجاز مسطح علي الترابيزة في المطبخ الصغير جدا الخالي حتي من ثلاجة. و استخدمنا جزء من المدخل – مجازا الأنتريه – و مساحة في المطبخ الضيق العجيب للنوم. و كان بها بالطبع حمام حديث نوعا ما و إن كانت مياهه متقطعة. و بالطبع لم يكن بالغرفة ستارة.

و كان من الواضح أننا كنا أول المستأجرين، لأن المنطقة بعيدة جدا عن وسط البلد، و أن صاحب العمارة بشقتها تلك ذات الغرفة الواحدة و كأنه فوجئ بخبر النازحين أو الهاربين إلي بورسودان. و من الطبيعي أننا لم نحفل كثيرا بمبلغ إيجار الشقة غير المنطقي، لأننا حسبنا أنها كلها يومين أو أسبوع و نغادر. 15 ألف جنيه في اليوم!!، رغم توسط أحد المعارف، أي 450 ألف في الشهر. و هو مبلغ يزيد قليلا عن ضعف أي شقة حديثة متوسطة المستوى بالعاصمة المثلثة، في ذلك الوقت، بها غرفتين و صالة و مجهزة بمكيفات “اسبليت”.

انتبهت ” للتكتيكات” التي اتبعها صاحب الشقة عندما احضر مكيف “الشباك” و عامل التركيب بعد يومين أو ثلاثة وقلت كعادتي لنتجاذب معه بعض أطراف الحديث كما يقولون. و لكنه كان يتكلم بإطار محدد و لا يسهب – و يتجنب النظر إلينا. حدست في البدء أنه من أهالي بورسودان، غير أنه فاجأني باقتضاب أنه من المنطقة بين أرقو و جنوب عبري في الشمالية، و ذكر لي اسم قريته فاسترسلت في ذكر بعض المعارف و الأصدقاء من تلك المنطقة الذين زاملتهم سواء في الدراسة أوالعمل أو غيره، و لكنه استعصم بالصمت أو الانشغال مع عامل التركيب. و فكرت فيما بعد أن هذه قد تكون إحدي طرائق السماسرة الذين تناسلوا في مدن بلاد السودان في العقود الثلاثة الأخيرة. و السمسرة أخت النصب. فلكي تنصب جيدا كما يقال: أتبع اسلوب الرجل الخفي (the invisible man).

صاحبنا قد يكون مستجد نعمة، أو موظف في مصلحة تكثر فيها الاستفادة من غير المرتب في خلال الثلاثين سنة الأخيرة حيث آلت كل الوظائف للحزب الحاكم حسب اعتراف قائدهم، الفيلد مارشال، بالصوت و الصورة قبل السقوط. أو قد يكون سمسارا ملتصقا بالسلطة و أصحاب النفوذ، و إلا من أين له هذه العمارة الشاسعة. هو ليس من آل عبد ربه أو آل باعبود أو تلك الأسماء المعروفة في بورسودان الثمانينات.

ما ذكرته ليس تحاملا علي الرجل، أو انتقاصا من بشريته. و لكني أتناول الأمر من وجهة عامة و ليست شخصية، لأن ذلك حدث فيما بعد – و بعد شهور قليلة أو كثيرة – لمئات الألوف، إن لم يكن ملايين من النازحين، خصوصا في مدني و أتبرا نفسها و شمالا حتي دنقلا و غيرها في كثير من الأرجاء.

ما أحزنني أنه نصب علينا نحن النازحين، ولم تأخذه و أمثاله أي مسحة من التعاطف ـ ولو “كشكرة” – نحونا ، رغم أن زوجته – بارك الله فيها – تبرعت بامدادنا بالماء البارد كلما احتجنا، و كذلك بوضع بعض الخضر أو اللحيمات التي نشتريها للأكل في ثلاجتها. و رغم أننا في تلك الآونة من النزوح لم نكن نعده نزوحا بالمعني – كلها كام أسبوع و تنتهي الحرب كما صدقنا … فيا لسذاجتنا و غفلتنا.

بالطبع نحن لا ندعي العصمة أو الملائكية و لكن مثل هذه العينة من السلوك لم تكن شائعة أو معتادة في زمن مضي يعرفه الجميع، إنما هي من المستحدثات التي ألمت كالوباء فأصابت البعض أو ربما كثيرين بحكم تدهور الأوضاع. و لكن سلوك النصب و الإحتيال قد صار مكشوفا. جورج برنارد شو قال ذات مرة:

“لا يحكم الناس بالعدالة، بل بالقانون أو الإقناع”.

و لكن أين هو القانون و أين هو الإقناع .

مبني الموانئ البحرية

عاودنا الذهاب إلي ساحة الموانئ البحرية قرب الميناء في الأمسيات لعلنا نعثر علي باخرة مسافرة و لكن لم تكن هناك بواخر. سمعنا أن بعض الدول أرسلت بواخر حربية و أجلت رعاياها و بعض المحظوظين منذ أيام، فأصبح أملنا هو البواخر التجارية العابرة للبحر الأحمر.

كان الزحام مضاعفا و مازالت أعداد النازحين و منهم السوريون في تزايد. ذات مرة في أحد العصريات جلست قربهم علي الشارع المجاور للمبني، و كانوا جلوسا علي كراسي سفرية صغيرة و تبرع أحدهم و منحني كرسيا و أخذنا نتجاذب الحديث. هم لاجئون و لا شك و نحن نازحون …. مؤقتون … حسب اعتقادنا … و نحن و هم هاربون من العاصمة. لم يفصحوا لي بالطبع عن أعمالهم هناك و كان الحديث عاما عن الحرب و النزوح بتحفظ شديد من جانبهم. ولم أندهش عندما أعرب بعضهم عن أمله بالعودة للعمل بالعاصمة حال انتهاء المناوشات…

خطر ببالي أن أسالهم كيف قطعوا الفيافي أو البحار أو الأجواء و جاءوا إلي العاصمة قبل سنوات – و السودان ليس من دول جوارهم أو قريب منهم جغرافياً. كنت أود أن أسمع منهم من الذي زين لهم القدوم حتي بعوائلهم و العمل و الاستقرار؟ من منحهم الحماية مثلا؟؟؟ … و لكني لم أحصل منهم بشئ ذي قيمة، و كنت متفهما لدرجة الحذر الشديد و القلق الصامت البائن علي وجوهم…

الكوريون و سواكن التاريخية

كنت زرت بورسودان في رحلة عمل ليومين قبل سنيين قليلة من مغادرتي الخرتوم للعمل بالخارج، جئنا كصحفيين في بداية عملنا للإطلاع علي مصنع إطارات “عبد ربه” بدعوة من السفارة الكورية، إذ كانت شركة “دايوو” الكورية” هي من أقامت المصنع. أذكر أننا بتنا ليلتنا بفندق البحر الأحمر الذي لا أعلم موقعه الآن، و في ذلك الفندق رأينا عن قرب ضمن حضور الأستقبال أساطين البزنس يومها أمثال باعبود و باوارث و غيرهم . و في اليوم التالي أخذنا الكوريون لزيارة المصنع قيد الإنشاء في طرف بورسودان و من هناك أخذونا في سياراتهم لزيارة سواكن بساحلها و أسماكه الملونة و أطلال المدينة التاريخية. و من الطريف أنهم دعونا في السادسة صباحا لنشاهد عمالهم الكوريين و هم ينظفون حديقة البلدية بمكانسهم الطويلة إسهاما منهم – حسب قولهم – في نظافة جزء صغير من مدينة سيعيشون فيها لفترة من الزمن، و أضافوا أنهم حرصوا للقيام بهذا العمل التطوعي في الصباح قبل شروق الشمس لكي لا يراهم أحد من سكان المدينة!!!

حي الميرغنية

خرجت من الشقة في أحد الأمسيات بحثا عن خضار. و أشار بعضهم إلي أكشاك في نهاية الشارع المقابل فيما يبدو أنه حي جديد وهو “الميرغنية” .و لكني لم أهتد إليها بسهولة، فسالت شابا جالسا في ركن الشارع و أمامه كوب قهوة فدلني أن الأكشاك تقع في منتصف شارع ضيق طويل، و عزمني علي قهوة، فشكرته و وعدته أن أشرب القهوة بعد شراء الخضار. و فيما بعد ذكر لي أنه ليس من بورسودان، بل جاء إليها و عمره 9 سنوات للالتحاق بوالده. وقلت له: لماذا تلبس “السديري إذن؟

  • كل ناس البلد في بورسودان تلبس السديري .. و أنا تعودت عليه فوق الجلابية..

ثم سألته عرضا إن كان شهد العراك الذي حصل قبل سنوات….

يتبع ….

fattah71@gmail.com

عن عبدالفتاح عبدالسلام

عبدالفتاح عبدالسلام

شاهد أيضاً

هروبنا من أمدرمان القديمة …. “بدأ بخطوة واحدة” (11)

بقلم عبدالفتاح عبدالسلام*12 ديسمبر 2025 سردية “تهافت الهاربين” الحلقة الحادية عشرة • ” الدنيا كدا …