وترجل أبو القاسم قور حامد (المحامي الأخير للبقاري والمونجانق)؟

ان يقول مُثقف ام درمان القديمة وشاعرها الراحل (هاشم صديق) أن سنوات نصف الضوء نصف العتمة الثلاثين من عمر إنقلاب 30 يونيو 1989 وتجاذباته ، سرقت اعمار المبدعين الذين بزوا في السبعينيات وبالذات في الثمانينات فضلاً عن جيل التسعينات الإبداعي الذين اغتالتهم تماماً سنوات العتمة التي لم يتخللها الضوء إلا بعد سلام 2005.

بالنسبة لجيلي المتأخر جيل منتصف التسعينات ، فقد كان محظوظاً وهو يتلقى الرحيق الأخير ويمتاح في 2005 من الضرع الذي لم تهلكه سنوات الحرب الأهلية في حزام الجنوب الكبير على حدي الشمال والجنوب.

كان الدكتور أبو القاسم قور حامد ، وقتها خارجاً من بريق سنوات الثمانينات وإسارها بكل مُحمولات التجاذب التي عرفتها. عائداً من رحلة إغتراب تدريسية قصيرة في جنوب أفريقيا غيرت من مسار اهتماماته من المسرح ومناجازات الثقافة والفنون ، إلى القانون الدولي ودراسات السلام وعلم الإجتماع السياسي.

كانت تلك اللحظات من سلام 2005 ومناخه الذي سمح بلم شمل كثيرين رغم أن الأغلبية ممن غادروا مدن الإقليم الأوسط والسودان كله ، لم تراودهم الثقة من جديد للعودة إلى الوطن مثل الدكتور عبدالله بولا وأسرته الكريمة التي أثرت الثقافة من محطاتها متعددة الإقامات في ليبيا ثم فرنسا من خلال مجلة إحترام ومنجزاته الفكرية الأخرى الخ تلك الأسماء الخ.

الفُرصة الأولى التي واكبت معرفتي بأبناء الريف وبناته ، الذين إقتحموا منصة الثقافة العاصمية أو المركزية عن رحلة كفاح طبقي وإجتماعي ميزت نشأة السبعينات. التي تدهورت إلى سنوات من الجفاف (الظمأ الانطلوجي) والعسكرة حتي هرب مُنظروا تلك الحقبة من واقعها وكتبوا مُذكراتهم عن ذم واقع الأمننة. مثل الدكتور عبدالوهاب الأفندي. والدكتور الطيب زين العابدين.

عرفتُ أيضاً في تلك اللحظة وشرفتُ بمعرفة سيرة الدكتورة لاحقاً والمُخرجة الإذاعية نوال مصطفي دفع الله (إبنة الحصاحيصا) و شقيقتها الأقل شهرة حياة مصطفي دفع الله.

وهي أيضاً سنوات عادت فيها الصحافة الثقافية العائدة من المهجر (الراحل حسن ساتي وآخرين ) أو الخارجة من تحت الارض من نشطاء اليسار الثقافي الذين وجدوا فرصة أخيراً لتبيين الإبداع.

لكن شاب كل هذه المُحاولات نقص الشمول التوثيقي في مُختلف المجالات الإقليمية حتى مرحلة موقع التوثيق الشامل. في الوقت الذي كانت تنازع فيها الصحافة نفسها البقاء كمهنة ومصدر رزق. ورغم نُشوء محطات السوشيال ميديا. إلا أن تلك النعمة المبذولة لم تنعكس على حجم التوثيق المفقود.

كانت تلك اللحظة التي عرفتُ فيها الدكتور أبوالقاسم قور حامد من خلال اطروحته (الباري والمونجانق) التي نشرها موقع سودانيزاونلاين مع الكثير من جدل الشخصنة آنذاك وقد كانت مداخلة حوارية اساساً كمرافعة. لتصحيح تصورات المتضامنين الشماليين من اليسار الشمالي مع الحركة الشعبية في التسعينات وحتي نهاية الثمانينات عن النزاع مع مُجتمعات البقارة من خلال تحليل ثقافي خالص.

نسخت تلك الاطروحة بيدي من الهاتف إلى دفتر كنت لا أزال أحتفظ به لفترة قريبة. وقد وجدتُ في تلك المداخلة المتزنة عقلياً المختزنة بصور الثقافة الحية التي لم تعُد موجودة فى وسط السودان.إذ ساساَ عقلانياً – ثقافياً للجدل اللامحدود في الحقل السياسي حول مسألة الهوية.

إلى تاريخ لقائي الأخ الكريم الرواي المحلي والناقد الثقافي الطيب عبدالمعطي العميري كما رفيقه الناقد الكلاسيكي المهندس الزراعي شعبان الكليس (شمال النيل الأبيض) في المهجر الخليجي.

الكتابة عن ابو القاسم قور حامد بقيت ناقصة لأنني حظيت بمعرفة وحوار محمد قور حامد (شقيقه) الصحافي الكلاسيكي. دون أن تكتمل بلقاء ابو القاسم قور نفسه الذي ظللت اتابع عن بعد خلال أزيد من عقد من انفصال الجنوب تقلباته النفسية في عالم الفكر وصولاً إلى محطة أن أصبح مفوضاً للعون الإنساني لفترة ليست طويلة وقد كانت إضافة حقيقية عملية إلى محطة عمله في مركز دراسات السلام وفض النزاعات في جامعة السودان للعلوم والتكنولوجيا.

وفي الوقت الذي سعت فيه السُلطة إلى محاكمة هويات البقارة بالقوة واللاتكافؤ المنطقي الإعلامي. آثر كثيرون من مثقفي وسط غرب السودان (كردفان) أو في دار المسيرية الخ ، فهم عقلية مجتمع السلطة مابعد الإستعمارية المهيمنة وعدم مواجهته أو الصدام معه خصوصاً من أولئك الذين لديهم وظائف دولة حكومية ليست تثير قبطة احد ولا حسد مُخصصاتها المتدنية. كما جرت العادة. آثر هؤلاء الصبر وعدم الدخول في مشادة تاريخية حول المساواة الإجتماعية أو التصحيح الإجتماعي مع مُجتمعات اللاعقل في وسط السودان والحاضنة لجمهورية 1956، الذين زعموا أن حرب عودة السُلطة اليائسة وهستيريا السُلطة المهزومة في حرب 15 إبريل. التي حولت من هزيمتها العسكرية المحضة في قصور شارع النيل والحاكم العام إلى هستيريا رواندا اخرى مزقت كل مُمسكات الوحدة الوطنية والمحلية منذ مابعد المهدية في كتابة وتخطيط ونجت باشا (1898). زعموا انها نهاية التاريخ.

أياً يكُن نهاية هذا السجال حول عودة سلطة 1989 من عدمه وتمسك مُجتمعات اللاعقل الحاضنة لجُمهورية 1956 بعودة سُلطة لم تُؤسسها بل أُلحقت بها وإنتماوها إلحاقاً.

فإن الحديث عَمن إختاروا الإنسحاب حفاظًا على ما تبقى من وحدة وجسد سودان 1898 في شجاعة غامرة من هذه المواجهة غير المتكافئة.

ومن دور المُحاماة الكلاسيكي عن الهُويات من مُثقفين لا يُمكنهم أن يتكرروا بسهولة لأنهم مَثلوا وعي مبكر وشهادة مُكتملة الوجود مِن المُعاصرة والمُعايشة لأصالة ثقافية خالصة من غير مُؤثرات خارجية.

الحديث عن ابو القاسم قور حامد ، في هذه الظروف غير المواتية لا يجب أن يهزم إرادة التوثيق، ولا الإستسلام نحو واقع إحتكار الإعلام العربي من قبل قوي بعينها تعمدت تشويه صورة الثقافة الوطنية الجَامِعة أو (المُشتركة) في السودان مابعد الإستعمار وإحتكاره.

Northernwindpasserby94@gmail.com

عن زرياب عوض الكريم

شاهد أيضاً

إمتداداً للحرب غير الضرورية ضد الريف

زرياب عوض الكريملم تكن ثمة مُبررات واضحة لإعادة نقل نزاع حرب الخرطوم في 15 إبريل …