ناجي شريف بابكر، الخميس ٢٨ أغسطس ٢٠٢٥
في كتابه “مائة عام من العزلة” حدثنا غارسيا ماركيز أن أهل ماكوندو حينما داهمهم التنوير، طغت الإختراعات العظيمة الكثيرة علي الحياة في “ماكوندو” وأذهلت أهلها، فما عادوا يعلمون من أين أتت دهشتهم. كانوا يمضون الليل بطوله يتأملون المصابيح الكهربائية الشاحبة تغذيها مجموعة من محركات كهربائية جلبها معه “أورليانو” الحزين .. وأثارت سخطهم الصور التي كان يعرضها “برونو كريسبي” وقد أصبح تاجراً غنيا، في المسرح الذي كانت له شبابيك تذاكر تشبه رأس الأسد.
كان يزعجهم أن أحد الأبطال قد مات ودفن في أحد الأفلام فذرفوا لعذابه وفراقه دموعا سخية، لكنه ما لبث أن ظهر في فيلم آخر حيا يرزق وقد بدا في هيئة رجلٍ عربي.
ما كان الجمهور الذي يدفع الواحد من أفراده سنتيمين، كي يشارك الممثلين معاناتهم ومصاعبهم وأحزانهم، ما كان ليحتمل كل تلك السخرية التي لا مبرر لها، فحطم الناس المقاعد جميعا. وأضطر رئيس البلدية، عند إلحاح الدون “برونو كريسبي”، أن يعلن علي الملأ “أن السينما ليست سوي آلة تعرض فيها أوهام لا تستحق كل ذلك الأنفجار العاطفي”
إن الحرب التي اندلعت في الخرطوم صبيحة الخامس عشر من ابريل/ نيسان ٢٠٢٣، لا تستحق هي الأخرى كل ذلك الإنفجار العاطفي، فهي لا تعدو في مايتبادر لي كونها، في عيون مروِّجيها من الأشرار، ملهاةً دموية عنيفة لدرجة مفرطة.. تهدف في سنام أمرها لتدمير المسرح ذاته ونسف ذاكرته وحرق إرشيفه، والقضاء في الوقت نفسه على أكبر قدرٍ من الشهود..
ملهاةٌ دموية فاجرة لقي فيها ضحايا كثيرون مصرعهم وتهجّر بسببها الملايين من السكان بعد أن أخرجوا من ديارهم مدفوعين بأعمال بربرية وعنف كاسر.. ربما لا تختلف كثيرا في كنهها عن مأساة أهل ماكوندو.. فإن الممثلين الذين طالما ذرف عليهم الناس الدموع تعاطفا ومشاركة لبؤسهم ومآسيهم، سوف لن يطول بهم الزمان ليعودوا من جديد وسط دهشة الأهالي في مشاهد لا تخلو من المرح وهم اكثر بهجة. إن ما حدث لا يعدو انه تسويق للأوهام وإهدار لمدّخرات اهل ماكندو، واستهتار سخيف بمآسي الناس وأحزانهم.
أما هنا بين ظهرانينا.. هاهم من الفنادق ومن الخنادق المتقابلة ومن خلف الحصون والبنادق من طرفي المواجهة الدامية، هاهم يتداعون كالأبطال من طرفي الحرب ليتشاركوا الأنخاب وليقتسموا الموارد والغنائم فيما بينهم، والناس حَزَانَى مكلومون.. إن أناساً لم يأتمنوك يوماً على دماهم وأرواحهم وحرائرهم في أوقات السلم، فكيف تنتظرهم أن يأمنوك عليها زمن الحرب!! إن الشياطين سوف لن تغدو يوما ملائكةً للرحمة.. لا زالت جراحنا تنزف بينما هم يتبادلون صكوك الغفران فيما بينهم لإسدال الستار على ما أقترفوه من الفظائع والجرائر في ايام الحرب وفي سابقاتها من الليالي والأيام.. كأنما الجلّادون قد صاروا آخرَ الأمر أولياءً و وكلاءً عن دماء الضحايا.
يتغنون بإستبسالهم وبقصص بطولات إستثنائية خارقة خاضوها يتحاكاها بعضهم عن بعض، كأنما هم يمتنون بها على الله وعلى أناس لا يعبأون بها ولم يكونوا لها شاهدين. يُماثلون أنفسهم فيها بالصحابة والصالحين.. وسط مهرجانات من الترف والجحود والأكاذيب.. فيزدادون بذلك على بطرهم بطرا وعلى طغيانهم وتعاليهم طغيانا واستخفافا بالغافلين والبسطاء.. تتراكم المظالم والتخوين وإهدار الحقوق وأحكام الإعدام على خصوم الرأي، فتتراكم اعداد الضحايا وتزداد عزلتهم وخذلانهم..
إنتهى..
nagibabiker@gmail.com
سودانايل أول صحيفة سودانية رقمية تصدر من الخرطوم