أطلّ قائد الجيش البرهان قبل أيام في بيان مقتضب، يشبه فاتورة مقهى، ليبشّر السودانيين بخبر عظيم: تعيين وهبي مختار رئيساً للمحكمة الدستورية. ووهبي، كما يعرف المتمرّسون، ليس غريباً عن هذه الكراسي الوثيرة، فقد تشرّب من نبع “الإنقاذ” حتى ارتوى. كوز معتّق يعرف جيداً كيف تدار الولائم على جثة الدستور (إنْ وُجِد)، وكيف تُشرعن الجرائم بمداد “الفقهاء الرسميين”.
ولكي نفهم هذه المهزلة، لا بد أن نتذّكر أنّ السودان، مُذ وُلد كدولة، لم يعرف شيئاً اسمه محكمة دستورية، إلا حين جاء البشير، وابتكرها كإكسسوار فاخر يضعه في واجهة نظامه، مثل مُدّعٍ يُزيّن غرفة الجلوس بلوحة زيتية مقلّدة كي يوهم ضيوفه بالذائقة الرفيعة.
كان الغرض واضحاً: أن يقدّم لجرائمه غطاءً قانونياً، مثلما يفعل آخرون (عبدالحي وأعوانه) حين يُطلب منهم اجتراح الفتاوى الدينية المعزّزة لقتل السودانيين وإذلالهم.
ومنذ أن هوى البشير من كرسيه، ظل منصب رئيس المحكمة الدستورية جثة هامدة، قرر البرهان أن يحييها من قبرها، بدستور وهمي يحمل اسم “دستور السودان 2025″؛ وهو دستور لم يُصوّت عليه أحد، ولم يناقشه أحد، ولم يقرأه أحد. السودانيون سمعوا عنه من نشرات الأخبار وصفحات الفيسبوك. كُتب في غرف مغلقة بأيدٍ قليلة، وأول بنوده إلغاء الوثيقة الدستورية 2019، لإزاحة المدنيين كلياً من أي مستقبل سياسي في البلاد.
المحكمة الدستورية، في الأصل، خُلقت لتكون حارسة الحقوق والحريات، وصمام أمان المواطن في مواجهة طغيان الدولة. لكن في السودان، تحولت إلى نادي ولاء. فمنذ أن جلس جلال علي لطفي على كرسيها كأول رئيس لها بأمر البشير، انحرفت إلى “محكمة نقض موسّعة”، مشغولة بالميراث والطلاق، تاركة الدستور بلا رعاية.
رؤساؤها ظلوا يَدينون بالمنصب لرأس الدولة. يَعرفون أن بقاءهم مشروط برضا الحاكم، وأنّ قراراً واحداً قد يطيح بهم كما أطاح البشير بأحد رؤسائها بقرار شفهي نقله نائبه بكري.
في مثل هذا المسرح، يصبح القاضي خادماً للسلطان، ويكتب حيث يشير إصبعه.
ولمن يشك في ولاء وهبي مختار، يكفي أن نتذكر ما قدمه هو وأسلافه من “فقه دستوري” في خدمة الاستبداد: المحكمة الدستورية أقرت أن (الرقابة المسبقة على الصحف سلطة دستورية)، وأفتت بأنّ (جرائم التعذيب تسقط بالتقادم)، بل ذهبت أبعد لتقرر أن (للتعذيب مرجعية إسلامية)!
وحين رفع مواطن قضية ضد الاعتقال السياسي المطوّل، رأت المحكمة أن (سنة في الزنزانة مدة معقولة). وفي قضية أخرى، اعتبرت أنّ منع المعتقل من لقاء محاميه (لا يخالف الدستور). أما قمع المظاهرات، فاعتبرته المحكمة (ممارسة عادية)، مثل نزول المطر أو انطفاء الكهرباء.
وهبي مختار، إذن، ليس سوى حلقة جديدة في سلسلة قديمة: قاضٍ يُستدعى من الأرشيف، تُنفَخ فيه الروح فينفض غبار البدلة السوداء ويجلس على كرسي فارغ منذ سنوات، ليس المطلوب منه أن يحمي نصوصاً أو يصدّ غيّاً، بل أن يضع ختماً “شرعياً” على نزوات البرهان، تماماً كما فعل هو وسابقيه مع نزوات البشير.
البرهان يتصرف في السودان كما يتصرّف المالك في مزرعته. يعيّن ويعزل. يكتب الدستور ويمزّقه، يهب الكراسي لمن يضمن ولاءهم، ثم يترك الشعب يلوك الحديث عن “دولة القانون”. أما المحكمة الدستورية، فهي في هذا المشهد ليست أكثر من مسرحية هزلية رديئة، يقودها ممثل كومبارس في دور البطولة اسمه وهبي، وجمهورها شعب لم يُمنح يوماً فرصة التصفيق أو الاعتراض.
سودانايل أول صحيفة سودانية رقمية تصدر من الخرطوم