الدوحة تحت القصف: لا تفاوض بعد اليوم

سقطت الصواريخ الإسرائيلية على قلب الدوحة كأنها تمزّق ستارة وهمية اسمها “حصانة الوسيط”.
كان المشهد صادماً، ليس لأنه الأول من نوعه، بل لأنه مزّق غشاء الأمان الوهمي، وحوّل العاصمة القطرية من راعية تفاوض إلى ساحة استهداف ومسرح للنار.

الدوحة الغاضبة وصفت الضربة بأنها “هجوم غادر” و”إرهاب دولة”. كلماتها بدت كأنها تُكتب على جدار النظام الدولي بحبر أحمر، لتؤكد أن إسرائيل دولة مارقة لا تكتفي بخرق حدود الخصوم، بل تجرؤ على خرق قواعد اللعبة نفسها. قطر تستعد لمعركة قضائية، تريد أن تقول للتاريخ: الوسيط ليس هدفاً مشروعاً، والدبلوماسية ليست لحمًا مباحاً على موائد الانتقام.

واشنطن، الممثل المتردد، يخرج من صمته. ترامب بدا متبرّماً. قال إن التبليغ جاء متأخراً، وإن الضربة لم تكن “موفّقة” دبلوماسياً. عبارة باردة تحاول أن تُغطي الشرخ العميق بين الحليفين. البيت الأبيض يُصدر بياناً مرتبكاً، كمن يحاول إنقاذ وجهه من صفعة حليفته المدللة. إنها لحظة نادرة يختل فيها ميزان الغرام الأبدي بين أميركا وإسرائيل.

بقية دول العالم قرأت المشهد على أنه أبعد من مجرد انفجار. رأت فيه ضربة لهيبة القانون الدولي، وتكسيراً لمفهوم الحياد. الأمم المتحدة وضعت الملف على الطاولة،
العواصم العربية والغربية طالبت بإنقاذ المسار التفاوضي. لكن الغبار الذي لف سماء الدوحة لم يكن مجرد غبار؛ كان إيذاناً بأن المرحلة المقبلة ستُخاض بالسجال والقانون، وأن قاعات المحاكم ستُستدعى إلى جانب قاعات التفاوض.

في المشهد الثاني، تخرج الأسئلة كأشباح:
هل تُحاكم إسرائيل على جريمتها؟ هل تستطيع قطر أن تحوّل غضبها إلى حكم قضائي؟
الجواب في القانون واضح: نعم، معاقبة إسرائيل واجبة، فقد خرقت سيادة دولة عضو في الأمم المتحدة، واستهدفت وفداً سياسياً، وضربت بعُرف التفاوض عرض الحائط. لكن من يجرؤ على عقابها؟ النظام الدولي لا يُحاكم بالقانون، بل بالموازين. والفيتو الأميركي، كعادته، يقف حارساً عند باب المحكمة، يمنع المارق من المثول أمام القضاة.

من غير المتوقع رؤية نتنياهو أو جنرالاته في قفص الاتهام. لكن على المدى المتوسط والبعيد، يمكن أن يتحول تراكم الملفات إلى سلاسل تقيد حرية الحركة، وتضع قادة إسرائيل تحت مطاردة سياسية وأخلاقية لا تنام

أما المخيف في هذا التطور، فيكمن في أن الدوحة لم تُقصف وحدها. قُصفت فكرة الوسيط، قُصف الإيمان بأن الحوار ملاذ آمن. ومن الآن فصاعداً، كل عاصمة تفكر ألف مرة قبل أن تستضيف وفوداً متنازعة. فالدبلوماسية لم تعد محمية، بل صارت رهينة الصواريخ.

الستارة الأخيرة، تُسدل على سؤال كبير:
إذا كانت أميركا، الحليف الأكبر، عاجزة عن حماية وسيطها وصديقتها قطر، فما الذي يمنعها غداً من التخلي عن أي حليف آخر؟ دول الخليج كلها تسمع الطنين: “من يحمي من؟”
ومن يضمن أن البيت الأبيض لن يُلقي بهم ليواجهوا صَلَف إسرائيل إذا قررت أن تُغني منفردة؟

الدوحة اهتزت تحت القصف، لكن النيران الأكبر تشتعل في ثقة الحلفاء. إسرائيل قصفت مبنى، أما الصاروخ الحقيقي فقد أصاب ما تبقى من مصداقية النظام الدولي.

عن نزار عثمان السمندل

نزار عثمان السمندل

شاهد أيضاً

الناجيان

نزار عثمان السمندل الناجي عبد الله يتحدث بنبرة رجلٍ لم يغادر زمنه الأول.طمأنينة صاحب يقين …