العملات الرقمية والاقتصاد الموازي: بين الحرية المالية والفوضى العالمية

من بطون كتب
sanhooryazeem@hotmail.com
منبر بنيان مقالات من بطون كتب
مدخل
لم تعد العملات الرقمية (Cryptocurrencies) مجرد ابتكار تقني في عالم المال، بل تحولت خلال العقد الأخير إلى ظاهرة اقتصادية–اجتماعية–سياسية تهز أركان النظام المالي التقليدي. فمن بيتكوين التي وُلدت عام 2009 على يد شخصية غامضة تُدعى “ساتوشي ناكاموتو”، إلى أكثر من 22 ألف عملة رقمية متداولة اليوم، باتت العملات الرقمية تعكس صراعاً بين مركزية البنوك والرقابة الحكومية، وبين حلم الحرية المالية للأفراد.

في السودان والعالم الثالث، حيث تعاني الاقتصادات من ضعف البنى المالية وتذبذب أسعار الصرف، برزت العملات الرقمية كوسيلة بديلة للتحويلات، والادخار، وأحياناً التهريب المالي. لكن انتشارها غذّى الاقتصاد الموازي، وأدخل مخاطر جديدة تتعلق بغسل الأموال والجرائم الإلكترونية.

أولاً: ماهية العملات الرقمية وخصائصها

  1. اللامركزية: لا تصدرها أي جهة حكومية أو مصرف مركزي.
  2. الشفافية: المعاملات تُسجل عبر تقنية البلوكشين (Blockchain)، التي بلغت قيمتها السوقية أكثر من 2 تريليون دولار في ذروة 2021.
  3. العالمية: حجم تداول يومي للعملات الرقمية يتجاوز 100 مليار دولار.
  4. التقلب: بيتكوين وحدها فقدت أكثر من 60% من قيمتها عام 2022 قبل أن تعود للارتفاع مجدداً.

ثانياً: الاقتصاد الموازي والعملات الرقمية

الاقتصاد الموازي يُقصد به النشاط الاقتصادي غير المسجل رسمياً، سواء بسبب التهرب الضريبي، أو التهريب، أو استخدام أدوات مالية غير رسمية. العملات الرقمية صارت أداة مثالية لهذا الاقتصاد:

أكثر من 30% من مستخدمي العملات الرقمية في إفريقيا جنوب الصحراء يستعملونها للتحويلات بعيداً عن البنوك (IMF 2021).

في السودان، قُدرت التحويلات غير الرسمية عبر العملات الرقمية بنحو 200 مليون دولار سنوياً (تقديرات غير رسمية).

منظمة الأمم المتحدة قدرت أن العملات الرقمية ساهمت في تدفقات مالية غير مشروعة بأكثر من 50 مليار دولار سنوياً في إفريقيا.

ثالثاً: دراسات حالة دولية

  1. السلفادور: أول دولة في العالم اعتمدت البيتكوين عملة رسمية (2021). التحويلات من المغتربين عبر بيتكوين شكّلت نحو 2% من الناتج المحلي، لكن التجربة واجهت عزوفاً شعبياً حيث لم يستخدمها سوى 20% من السكان بانتظام.
  2. الصين: حظرت تعدين وتداول العملات الرقمية (2021)، بعدما كان 65% من التعدين العالمي يتم داخلها. في المقابل، طورت اليوان الرقمي لتبقى في قلب الثورة المالية.
  3. نيجيريا: تحتل المرتبة الأولى في إفريقيا من حيث حجم التداول، إذ أن 35% من البالغين يمتلكون أو تعاملوا بالعملات الرقمية. ورغم الحظر الحكومي، بلغ حجم التداول نحو 400 مليون دولار في 2021 عبر المنصات غير الرسمية.
  4. السودان: ضعف الجنيه السوداني (تراجع بأكثر من 90% خلال عقد) دفع الشباب والمغتربين لاستخدام العملات الرقمية كملاذ. إلا أنها ارتبطت بعمليات احتيال رقمية وخروج عملات صعبة عبر الاقتصاد الموازي.

رابعاً: الأبعاد الأخلاقية والقانونية

إيجابيات: الحرية المالية، تجاوز البيروقراطية، تمكين الأفراد من التحكم في أموالهم.

سلبيات: تقرير الأمم المتحدة (2022) أشار إلى أن العملات الرقمية استُخدمت في غسل أموال بأكثر من 8 مليارات دولار سنوياً عالمياً، فضلاً عن ارتباطها بتمويل الإرهاب والتهرب الضريبي.

العملات الرقمية تطرح سؤالاً جوهرياً: هل هي ثورة تحرر مالي أم فوضى مالية تقوض مفهوم الدولة الحديثة؟

خامساً: فرص وتحديات في العالم الثالث

الفرص:

استقطاب استثمارات في تكنولوجيا البلوكشين، التي يتوقع أن تصل قيمتها إلى 163 مليار دولار بحلول 2029.

تسهيل تحويلات المغتربين، والتي تمثل أكثر من 9% من الناتج المحلي في السودان.

تعزيز الشمول المالي، حيث يفتقر أكثر من 350 مليون إفريقي لحساب مصرفي.

التحديات:

غياب التشريعات، إذ إن أقل من 20% من الدول الإفريقية لديها قوانين واضحة.

ضعف الوعي، حيث أن أكثر من 60% من المتداولين الجدد يدخلون السوق بلا معرفة بالمخاطر.
احتمالية استغلالها في التهريب والاقتصاد غير المشروع.

سادساً: نحو رؤية للتعامل مع الظاهرة

  1. إطار قانوني واضح: مثل تجربة الإمارات التي وضعت تشريعات متوازنة منذ 2022.
  2. تطوير العملات الرقمية الوطنية: على غرار “اليوان الرقمي” في الصين.
  3. التعاون الدولي: تقارير البنك الدولي توصي بشبكات مراقبة إقليمية لتدفقات العملات الرقمية.
  4. التثقيف المالي: إدخال مناهج تعليمية تبسط مفاهيم العملات الرقمية للأجيال الشابة.

خاتمة

العملات الرقمية ظاهرة عالمية لن تختفي، بل ستتطور وتفرض نفسها. والسودان ودول العالم الثالث أمام خيارين: إما تجاهلها وتركها تنمو في الظل بما تحمله من مخاطر، أو التعامل معها كواقع جديد يُدار بعقلانية وتشريعات ذكية.
إنها ليست مجرد “بتكوين” أو “إيثيريوم”، بل هي معركة بين اقتصاد النور واقتصاد الظل، بين حلم الحرية المالية وكابوس الفوضى.

المراجع

  1. Nathaniel Popper, Digital Gold, Harper, 2015.
  2. Saifedean Ammous, The Bitcoin Standard, Wiley, 2018.
  3. Alan L. Karras, Smuggling: Contraband and Corruption in World History, 2010.
  4. صندوق النقد الدولي: The Crypto Boom in Sub-Saharan Africa, 2021.
  5. البنك الدولي: Illicit Financial Flows in Africa, 2019.
  6. United Nations Office on Drugs and Crime (UNODC), Crypto Crime Report, 2022.

عبد العظيم الريح مدثر

عن عبد العظيم الريح مدثر

عبد العظيم الريح مدثر

شاهد أيضاً

التمويل الأصغر رافعة التنمية في الريف: قراءة في التجربة والآفاق بعد الحرب

من بطون كتبsanhooryazeem@hotmail.comمنبر بنيان مقالات من بطون كتب ونبض الميدان ليس من قبيل المبالغة القول …