كأن السودان محكوم عليه بأن يعيش في ظل استعمار دائم. يخرج مستعمر فيزيائي بجلاده وبندقيته، فيدخل مستعمر آخر بعمامته وشعاراته. يرحل الغريب بلهجته ولهيب مدافعه، ليطلّ ابن البلاد وقد تنكّر لأرضه وتاريخه، ناسجاً مشروعاً لا يرى في الوطن سوى محطة عابرة على طريق “أمة” مُتخيّلة.
ما فعله الإخوان المسلمون (الكيزان) في السودان، وما يسعون لاستكماله اليوم عبر هذه الحرب المدمرة، لا يخرج عن تعريف الاستعمار نفسه. استعمار داخلي، لكنه أكثر قسوة من الأجنبي القادم على متن البوارج، لأنه يرتدي ملامحنا ويتحدث لغتنا، ويطعننا بأيدٍ نحسبها منا.
فالاستعمار، في جوهره، ليس سوى عملية نزع للسيادة على الأرض والموارد والوعي. هيمنة كاملة على مصير البشر: خبزهم وعرقهم وأحلامهم. التحكّم في ما ننتجه وكيف ننتجه ولمن نوزع ثمراته. الاستيلاء على وعينا كي نُبدّل صورتنا عن أنفسنا.
ما يفعله الكيزان ليس إلا إعادة إنتاج لتلك المعادلة القديمة: استلاب للثروات، استحواذ على مفاصل الدولة، ثم محاولة إعادة تشكيل وعينا بحيث نرى وطننا خطأً، وحدودنا خطيئة، وهويتنا عبئاً ينبغي أن يُمحى؛ لصالح كيان غامض لا يحتكم إلا للتمكين ومذهب الولاء الأعمى.
هنا يكتمل وجه الشبه. فالمستعمِر الأجنبي كان غريباً عن الأرض، ينهب ويستبد ثم يرحل. أما هؤلاء، فيرتدون ثياب السودانيين لكنهم يتعاملون مع البلاد كغنيمة. كأنهم ليسوا أبناءها، بل حَمَلة تفويض إلهي مُكلّفون بسحقها ومحو فكرة الوطن في أذهان أبنائها وإلى الأبد.
الفساد، والمحسوبية، والسرقات، والقتل خارج مظلة القانون، وجرائم وفظائع كثيرة أخرى… كلها فواحش وموبقات لم يعرفها السودان بمثل هذا العمق والاتساع، قبل استيلائهم على السلطة. لم يألفها الناس إلا بعد عام الرمادة 1989. وحين نقول عنهم “كيزان”، فإننا لا نحصر الوصف في أعضاء المؤتمر الوطني أو منتسبي الحركة الإسلامية وحدهم؛ فـ”الكوزنة” في جوهرها ليست انتماءً حزبياً، بل سلوكاً وانحرافاً. كل من يتعامل بعقليتهم ــ يسرق وينهب ويستبيح المواطنين ــ هو كوز، مهما كان موقعه أو لونه أو لافتته.
أخطر ما في تجربتهم ليس الدماء التي سالت، ولا الخراب الذي جلّل المدن والقرى، بل هذا المسعى إلى سلب الناس هويتهم المتسامحة. أن ينهض السوداني صباحاً فلا يرى نفسه سودانياً، بل مجرد ترس في ماكينة عابرة، لا ترتبط بالأرض ولا بالتاريخ ولا بالدم. هذه هي ذروة الاستعمار: حين يتحول الإنسان إلى عابر في وطنه، غريب في بيته، منفي في ذاكرته.
والأشدّ خطورة من ذلك، أن لهذا المشروع جوقة من “البلابسة” المصفّقين. حمقى ومغيَّبون لا يرون في الخراب إلا بشائر نصر، وفي الدماء طقوس عبور نحو تمكين جديد. يهلّلون للجلاد وهو يشدّ القيود حول أعناقهم، ويصفّقون لعودة استعمارهم الذي لم يغادر يوماً.
مأساة. مأساة حقيقية ومفارقة مروّعة، أن يتحول بعض الضحايا إلى أبواق لمستبدّيهم، وأن يصبح الوطن مسرحاً لاحتفال مأساوي، يغني فيه المقهورون في جنازة دولتهم وأحلامهم وذاكرتهم، دون أن يرف لهم جفن. تلك هي عبقرية الاستعمار: أن يجعلَ المقهور يُقدّس قاهره، وأن يزرع في قلب الضحية بذرة الإعجاب بالجلاد.
الكيزان ليسوا جنوداً أجانب، ولا يرفعون أعلاماً غريبة، ولا هم حركة سياسية، بل جماعة إرهابية ومشروع استلاب كامل. مشروع يلتهم الدولة كما تلتهم النار الهشيم، ثم يلتفت إلى الوعي فيعيد تشكيله ليخدم بقاءه. شعاراتهم الدينية والسياسية مجرّد أدوات وشفرات لإعادة كتابة رؤية الشعب لنفسه، كي يتحول من ضحية إلى شريك غير واعٍ في الاستلاب، وأن تصبح صورة الوطن خافتة، بلا حدود، بلا ذاكرة، بلا صمود.
لهذا، فإن عودتهم التي يسعون إليها ليست عودة سلطة إلى مقاعدها، بل عودة استعمار إلى أرضه المستباحة. هي محاولة لقتل السودان مرة أخرى، بجيش من الشعارات، وجحافل من الحمقى الذين يخلطون بين النصر والهزيمة، وبين العزّة والاستعباد.
لكن الحقيقة البسيطة، الباقية، هي أن الاستعمار مهما تبدّل شكله، فإنه ينهزم أمام وعي الشعب اليقظ، أمام قدرة الأمة على تذكّر نفسها، واستعادة مشهدها البطولي على مسرح الحدث. السودانيون الذين يرفضون أن يُسرق وعيهم، ويصرّون على أن يروا وطنهم كما هو، هم وحدهم من يملكون مفتاح التحرّر الحقيقي. أما الذين يظلّون مُفتونين بجلادهم، فهم ليسوا إلا أرقاماً في سجل الاستعمار الأبدي، وصدىً لصوت المستعمر الكوز… القديم والمتجدد.
سودانايل أول صحيفة سودانية رقمية تصدر من الخرطوم