الأحزاب السياسية في السودان حضورٌ نشط في السلطة .. ودورٌ مفقود في العمل الإنساني

الأحزاب السياسية في السودان حضورٌ نشط في السلطة .. ودورٌ مفقود في العمل الإنساني

اذا كانت حرب ١٥ أبريل ٢٠٢٣، قد كشفت أن البعض لا يجد طعاما يسد به رمقه في اليوم ، إلا إذا وجد عملا يوفر له اجراً يُطعِّم، به نفسه ومن يعولهم في ذلك اليوم.
فقد كشفت أيضا أن البعض الآخر، ورغم ضيق ذات يده وقلة حيلته وإمكاناته المحدودة، كان حريصا بنفس القدر أن لا يخذل هؤلاء المحتاجين، وأن يساعدهم ويؤازهم ما استطاع لذلك سبيلا.
إدراكا وإستجابة لذلك الواقع المأساوي المرير وتفاعلاً معه، تداعى السودانيون افراداً وجماعات أسرية وأهلية، وإستنفروا قدراتهم الشحيحة فأنشاوا تكايا الطعام التي ظلت نيرانها متوقدة لأكثر من عام في عدد من الأحياء والمحليات، لتصبح ليس مجرد مراكز لتوزيع الطعام فحسب، بل رمزا للتكافل الأخوي عند الشدة. وظلت القدور والمواقد في تلك التكايا تزود المحتاجين بالضروري من الطعام الذي يقيم أودهم ويبعد عنهم شبح المرض والموت. ولا يزال بعض تلك التكايا يواصل هذا العمل حتى الآن.

إن إطعام الطعام في ظروف الشدة والحاجة ، لهو من أفضل الأعمال الإنسانية، ليس من المنظور الاخلاقي الدنيوي فحسب، بل ويمثل قمة الإيثار وإنكار الذات من المنظور الديني أيضاً، إذ يحُظى بالتمجيد والمدح والإشادة بمن يقوم به. أشير هنا إلى تفسير قوله تعالى في الآية (٨) من سورة الإنسان (وَيُطْعِمُونَ الطَّعَامَ عَلَىٰ حُبِّهِ مِسْكِينًا وَيَتِيمًا وَأَسِيرًا) وكذلك إلى تفسير قوله تعالى في الآية (١٤) من سورة البلد (أَوْ إِطْعَامٌ فِي يَوْمٍ ذِي مَسْغَبَةٍ).
هذا الجهد الإنساني الأهلي المتميز الذي جسدته التكايا، إتسم بالصدق والإيثار وإنتفاء الأجندة والأغراض السياسية. كان توجهاً إنسانياً خالصاً إستهدف المحتاجين، دون تمييز ، تخفيفا لمعاناتهم ومصيبتهم، إلا أنه كان أعجز ما يكون عن توفير حاجتهم الفعلية للغذاء والدواء في ذلك الظرف العصيب.
ورغم الجهود العظيمة التي بذلها من أنشأوا التكايا واداروها، كان لابد أن تكون هناك كيانات أو تنظيمات أكثر قدرة وإمكانات وخبرة، لتقوم بذلك الدور أو تشارك فيه أو تتولى رعايته، لتزيد من فاعليتة وتُضاعف إعداد المنتفعين منه.
بيد أننا لم نلمسن مشاركة أو إسهاماً من الأحزاب الساسية في ذلك النشاط الإنساني الهام. وهذا الغياب أو عدم الإهتمام يمكن فهمه وتفسيره، موضوعيا، في إطار طبيعة وظيفة تلك الأحزاب والظروف التاريخية والسياسية التي نشأت فيها ومن أجلها.
فقد إعتادت الأحزاب أن تنشغل بالحصول على السلطة وممارستها بما يخدم أجندتها السياسية كأولوية استراتيجية ، أكثر من تركيزها على القضايا الإجتماعية والتنموية بعيدا عن المركز. هذا التوجه أضعف معرفتها بإحتياجات مجتمعات وناخبيها في الاقاليم وأفقدها ولا يزال، ثقة قطاعات واسعة منهم هناك، خاصةً في ظروف الأزمات الإنسانية والكوارث الطبيعية المتكررة في السودان.

غير أن الواقع الذي افرزته ولا تزال تفرزه الحرب، يفرض عليها تجاوز ذلك التوجه الحزبي الضيق ، والمشاركة والاسهام بشكل مباشر في العمل الإنساني، سيما في حالات الكوراث الطبيعية أو الأزمات التي يصنعها البشر، كشرط جوهري لبقائها كقوى مؤثرة وفاعلة.

ففي ظل المعاناة التي انتجتها الحرب كان من الضروري للأحزاب، أن تساهم في التخفيف معاناة المواطنين ودرء آثار الحرب عبر، دعم جهود الإغاثة الإنسانية والمشاركة في تسهيل وصول المساعدات للمتضررين. وهذا يتطلب بالضرورة إنشاء أذرع تطوعية وإنسانية مرتبطة بكل حزب للعمل على المستوى القاعدي. كما يتطلب تسخير المنصات الإعلامية للأحزاب لحشد الدعم والتعاطف مع حالات الكوارث الطبيعية والقضايا الإنسانية الملحة. بهذا الفهم والتوجه، يصبح العمل الإنساني أداة لبناء وتعزيز الثقة بين الأحزاب والمجتمع ووسيلة لتمكين الأحزاب من التفاعل والتعامل مع أدنى مكونات المجتمعات المحلية المهمشة بموضوعية وواقعية، مستمدة من الإلمام الحقيقي بواقع الحياة اليومية للناس، ومطالبهم الأساسية في ظروف الشدة والكوارث.

ومما لا جدال فيه، بالطبع، أن الأزمات والتحديات التي يواجهها السودان اليوم، أكبر واكثر تعقيداً من أن تتصدى لها الأحزاب ببرامجها السياسية التي تخوض بها معاركها الإنتخابية . لذا فهي مطالبة بمد الجسور نحو منظمات المجتمع المدني والمبادرات الشبابية وكافة مكونات المجتمعات المحلية. إضافة الي مؤسسات الحكومية المعنية بتنظم العمل التطوعي والانساني.
إن مثل هذه الشراكات لا تعزز قدرة الأحزاب على تنفيذ برامجها فحسب، بل تمنحها مصداقية حقيقة أمام الناخبين. إن ما أدعو إليه، في هذ المقال لا يغيب عن فطنة وإدراك القائمين على أمر الاحزاب، ولكن ربما كانت تنقصهم، في الوقت الراهن، الرغبة في إحداث التغيير المطلوب في إعادة تعريف الحزب كأداة فاعلة في التنمية المستدامة والعمل الإنساني (بمختلف فروعه وأنواعه)، أو ربما كانت الأولويات الحزبية أو السياسية لديهم، هي التي تكبلهم عن إحداث الطفرة المطلوبة للدور الإجتماعي والإقتصادي والإنساني للأحزاب (اثناء) ولمرحلة ما بعد الحرب.
لقد جعل قانون الأحزاب السياسية لسنة ٢٠٠٧، من التغيير الذي أدعو إليه عملا يسيرا وممكنا، حيث أزال هذا القانون عقبات تشريعية وتنفيذية وأمنية عديدة، كان يتعين على الأحزاب أن تتغلب عليها قبل أن تتمكن من الإرتقاء بدورها كآلية فاعلة في مجال العمل الطوعي الإنساني. وبذلك وَفّر القانون المذكور على الأحزاب الزمن والجهد اللازمين لإحداث التغيير المنشود.
ومهما تكن المآخذ على قانون الأحزاب السياسية لسنة ٢٠٠٧، فقد كان أسبق وأكثر حرصا من الأحزاب في أن تطرق أهدافُها، آفاقاً جديدة تجعل من الأحزاب السياسية شريكا فاعلا في عمليات البناء الاجتماعي والاقتصادي ومجالات العمل الطوعي والانساني.
يؤكد صحة هذا الزعم أنه، وعلى الرغم من تعريف المادة (٣) من القانون سالف الذكر، للحزب السياسي بأنه :
(تنظيم سياسي تم تسجيله أو وفَّقَ أوضاعه وفقاً لأحكام هذا القانون ويعمل بشكل منتظم لخدمه “أهداف سياسية” معينة ويسعى لتحقيقها بالطرق السلميه.) إلا أن المادة (٢٥) من ذات القانون، أجازت للحزب (أن يُنْشِئ منظمات خيرية غير ربحية وأن يتعاون مع منظمات ذات أغراض مشابهة داخل البلاد أو خارجها الخ..)
اكثر من ذلك، وفي معرض سؤالي للذكاء الصناعي عن التشريعات العربية المتعلقة بتنظيم الأحزاب السياسية، عثرت على إفادة بتعديل المادة ٣ من قانون الأحزاب السياسية لسنة ٢٠٠٧، في عام ٢٠١٤، وأصبح تعريف الحزب السياسي بموجب ذلك التعديل هو :
“كل تنظيم يؤسس طبقاً لأحكام هذا القانون، ويعمل على تحقيق برامج محددة تتعلق بالشؤون السياسية والاقتصادية والاجتماعية والثقافية والوطنية، وذلك عبر الوسائل السلمية الديمقراطية.”
(لم أحصل على نسخة رسمية للتعديل المذكور بعد). وعلى افتراض صحة تلك الإفادة ، فإن التعديل المذكور أعلاه، يتسق تماما مع الدعوة للإنتقال بوظيفة الأحزاب السياسية وتهئيتها لتلعب دورا يتجاوز “أهدافها السياسية” التقليدية ويمكنها من الإنخراط والمشاركة بفعالية وعلى اوسع نطاق في إحداث التغييرات الإجتماعية والإقتصادية والثقافية الكفيلة بتطوير حياة المواطنين وتنمية وعيهم الي مستوى افضل.

إن إعادة تعريف دور الأحزاب السياسية في السودان ليشمل البعد الإنساني والتنموي، يشكل مدخلاً أساسياً لبناء وظيفة اقتصادية واجتماعية جديدة للأحزاب ، تقوم على خدمة الناس لا على الصراع على السلطة . وبهذا المعنى، فإن دعم العمل الإنساني والتنمية المستدامة لا يجب أن يكون مجرد عمل خيري أو صدقة من الحزب، بل التزاما قانونيا يكون الوفاء به شرطا لتسجيل الحزب او تجديد تسجيله الحزب. ذلك أن انخراط الأحزاب في العمل التنموي والانساني، ربما يسهم في استقرار سياسي واجتماعي طويل الأمد، ومن شأنه أن يحول الأحزاب إلى قوى تغيير اجتماعية حقيقية تسهم في إخراج السودان من أزماته المزمنة.
عبدالله أحمد عبدالرحمن، محام
١٨ سبتمبر ٢٠٢٥

abdalla.alkaab@gmail.com

عن عبدالله أحمد عبدالرحمن المحامي

عبدالله أحمد عبدالرحمن المحامي

شاهد أيضاً

“النقيب المكلف” لنقابة المحامين السودانيين اصطلاح لا سند له في القانون

شاع في الآونة الاخيرة وفي المرحلة الراهنة من الصراع القانوني/ النقابي حول نقابة المحامين ، …