د. كامل إدريس على محك التاريخ: حكومة تترنح وامة على شفا الانهيار

golden.wrist.sd@gmail.com
أمير حميده ابو المك
مستشار حوكمة المؤسسات

مقدمة: في وقت يواجه السودان واحدة من أخطر الفترات في تاريخه الحديث،تتجه الأنظار نحو الحكومة التي يفترض أنها تقود عملية إنقاذ البلاد من براثن الانهيار الشامل. منذ تعيينه رئيساً لمجلس الوزراء، حمل د. كامل إدريس أمانة ثقيلة، لكن الأدلة على الأرض حتى الآن تشير إلى مسار مليء بالإخفاقات والتعثرات، بدءاً من تشكيل فريقه الحكومي ومروراً بإدارة الملفات المصيرية داخلياً وخارجياً.

فشل في اختيار الكفاءات: البنية الهشة للحكومة أولى علامات الفشل كانت في اللحظة التأسيسية:تشكيل الحكومة. عوّلت قطاعات واسعة من الشعب السوداني على أن تأتي الحكومة بكفاءات وطنية مستقلة قادرة على مواجهة التحديات ببرامج عملية وخبرات عالية. لكن الواقع كان مخيباً للآمال، حيث غلبت الاعتبارات الحزبية والمساومات السياسية الضيقة مع مكونات الحركات المسلحة بدارفور والقيادات العسكرية بالمجلس السيادي على معايير الكفاءة والنزاهة. جاء اختيار الوزراء مجرد توزيع للغنائم السياسية، مما أنتج فريقاً غير متجانس، يفتقر إلى الرؤية الموحدة والكفاءة المطلوبة لقيادة سفينة معطوبة في بحر عاصف.بدلاً عن اختيار وجوه مستقلة وكفاءات وطنية معروفة، سقط رئيس الوزراء في فخ المحاصصات والولاءات الضيقة. لقد أعاد إنتاج نفس النموذج البيروقراطي البائد، معتمداً على شخصيات من النظام السابق أو مرتبطة بأجندات سياسية ضيقة، مما أفقد الحكومة مصداقيتها وحرمها من الدماء الجديدة التي تحتاجها البلاد في هذه اللحظة المصيرية. اختيار وزير المالية، على سبيل المثال، كان مثالاً صارخاً على هذا الفشل، حيث استمر الرجل الذي يُعتقد أنه أحد مهندسي الانهيار الاقتصادي في منصبه، وكأن البلاد لم تشهد أزمة غير مسبوقة.

الإدارة الكارثية للسياسة الخارجية:

دبلوماسية بلا بوصلة وإنجازات وهمية على الصعيد الخارجي،كان أداء الحكومة أكثر إيلاماً. فشلت جميع الزيارات الخارجية لرئيس الوزراء، بما في ذلك زيارات إلى دول ذات عمق إستراتيجي للسودان، في تحقيق أي اختراقات ملموسة. لم تتمكن هذه الزيارات من استعادة المكانة الإقليمية للسودان أو دعم عودته الكاملة إلى الاتحاد الأفريقي، كما أخفقت في فتح آفاق جديدة للدعم العربي، سواء السياسي أو الاقتصادي.

الموقف المحرج الذي تعرض له خلال زيارته للمملكة العربية السعودية كان مثالاً صارخاً على ضعف الأداء الدبلوماسي، حيث بدا وكأن الوفد السوداني يفتقر إلى الاستعداد والتنسيق المسبق، مما نتج عنه استقبال مهين ولم يُترجم إلى اتفاقيات أو وعود دعم حقيقية، مما عمق من feeling العزلة الدولية التي يعاني منها السودان.

الملفات الداخلية:

إدارة الأزمات أم تصعيد الكارثة؟
أما على الجبهة الداخلية،فالصورة أكثر قتامة:

  1. ملف العودة إلى الخرطوم: لا يزال ملف إعادة النازحين إلى العاصمة التاريخية الخرطوم غارقاً في الفوضى وعدم الوضوح. لم تقدم الحكومة خطة عملية واضحة تضمن الأمن والخدمات الأساسية للمواطنين الراغبين في العودة، تاركةً الملف لمبادرات فردية وعشوائية، مما ينذر بمخاطر إنسانية وأمنية كبيرة.
  2. الانهيار الصحي:
    الكارثة الإنسانية المتوحشة perhaps هذا هو أكثر الملفات إثارة للغضب. في وقت تواجه فيه البلاد تفشياً وبائياً غير مسبوق للملاريا وحمى الضنك، تهاوت المنظومة الصحية بشكل كامل ، دون أن تظهر أي خطة طوارئ فعالة لمكافحته. عجزت الحكومة عن توفير الأدوية الأساسية أو المبيدات الحشرية، أو حتى تنظيم حملات وقائية فعالة. الشعب السوداني يواجه الموت بسبب أمراض يمكن الوقاية منها وعلاجها، بينما تقبع وزارة الصحة في غيبوبة كاملة.
  3. الاقتصاد المنهار: perhaps هو أكبر إخفاقات هذه الحكومة. استمرار الانهيار الحر للجنيه السوداني ووصول التضخم إلى مستويات قياسية هو دليل على فشل ذريع في إدارة الملف الاقتصادي. الأكثر إدانة هو عجز رئيس الوزراء عن اتخاذ قرار استبدال وزير المالية، الذي يُحمَّل مسؤولية كبيرة عن هذه السياسات الفاشلة، مما يعكس ضعفاً في القيادة وعدم القدرة على تحمل المسؤوليات الصعبة.
  4. تعليم معطل: مستقبل البلاد معطل بسبب إغلاق معظم الجامعات والمدارس، خاصة في الخرطوم حيث تعرضت العديد من المنشآت التعليمية لتدمير كبير. الحكومة لم تقدم حلاً جذرياً لإعادة التأهيل أو توفير بدائل تعليمية، مما يهدد بضياع جيل كامل ويزيد من حدة الأزمة الاجتماعية.

تحليل المستقبل: فرص نجاح أم استمرار في الانهيار؟ في ضوء هذا السجل الحافل بالإخفاقات،تبدو فرص نجاح حكومة د. كامل إدريس في المستقبل القريب ضئيلة للغاية. العوامل التي تقف ضدها جسيمة:

· ضعف الشرعية والأداء الذي أفقدها ثقة الشارع السوداني.
· هيكلية الحكومة الضعيفة والمبنية على المحاصصة وليس الكفاءة.
· استمرار التعقيدات السياسية والاقتصادية والأمنية التي تبدو أكبر من قدرة الفريق الحالي على إدارتها.
· الانهيار الشامل الذي أصبح سمة للدولة، مما يتطلب إرادة سياسية حقيقية وإصلاحاً جذرياً وليس إدارة يومية متعثرة.

خاتمة: حكومة د.كامل إدريس، بهيكلها الحالي وأدائها المشين، تبدو جزءاً من مشكلة الانهيار الشامل في السودان وليس حلاً لها. إن إنقاذ السودان يتطلب مراجعة جذرية وحاسمة، تبدأ بتشكيل حكومة كفاءات حقيقية تتمتع بالصلاحيات والشرعية الكافية لاتخاذ قرارات صعبة وإعادة بناء الدولة من وسط الأنقاض. الوقت ينفد، والصبر الشعبي قد نفد أصلاً، والاستمرار في هذا المسار هو تعريض مستقبل السودان لأخطار لا تحمد عقباها.

عن أمير حميده ابو المك

شاهد أيضاً

بابنوسة: قميرة عمري ما بنساها…

بابنوسة: قميرة عمري ما بنساها…مدينة السودان التي حلمت بالحداثة.. فإبتلعتها الحربgolden.wrist.sd@gmail.com بقلم: الابن الحزين/ أمير …