أبيي بين التاريخ والذاكرة الدولية (5-5)

lualdengchol72@gmail.com
أبيي بين التفاوض والذاكرة الدولية
بقلم: لوال كوال لوال
بعد مرور أكثر من عقد على قرار محكمة التحكيم الدائمة (PCA) بشأن منطقة أبيي، ما يزال السؤال الأكبر مطروحًا: كيف يمكن تحويل الاعتراف القانوني بدينكا نقوك وعشائرهم التسع إلى واقع مستقر على الأرض؟ هذا السؤال ليس مجرد شأن قانوني أو سياسي، بل هو في جوهره سؤال عن مصير المجتمعات، وعن إمكانية بناء سلام حقيقي في منطقة ظلت لعقود ساحة للتجاذبات والصراعات. قرار لاهاي عام 2009 شكّل منعطفًا تاريخيًا في مسار قضية أبيي. فقد أثبت القرار أن الأرض ملك لدينكا نقوك تاريخيًا ووثق أسماء عشائرهم التسع في وثائق دولية رسمية لا يمكن إنكارها. هذا الاعتراف القانوني، رغم أهميته، لم يكن نهاية الصراع بل بداية مرحلة جديدة. فالقانون الدولي يضع الإطار، لكنه لا يطبق نفسه على الأرض إلا إذا وُجدت إرادة سياسية وإدارة محلية فعالة. من الناحية القانونية، اكتسب دينكا نقوك سندًا قويًا يمكّنهم من المطالبة بحقوقهم في أي منبر دولي، لكن هذا السند يحتاج إلى آليات تنفيذ، وحماية للمدنيين، وتوفير خدمات أساسية تجعل السكان يشعرون بأن الاعتراف القانوني ليس مجرد نصوص جامدة، بل حياة يومية تتحسن. النزاعات المستمرة بين جنوب السودان وحكومة السودان ، رغم وضوح الحدود القانونية، تُظهر أن القانون وحده لا يكفي. هنا يظهر دور التفاوض المحلي والدولي كجسر ضروري بين الاعتراف القانوني والواقع اليومي للمجتمعات على الأرض. التفاوض ليس مجرد محادثات سياسية بين النخب، بل يجب أن يكون عملية تشاركية تشمل زعماء القبائل، منظمات المجتمع المدني، والوسطاء الإقليميين والدوليين. من خلال هذا التفاوض، يمكن تحديد حقوق الرعي والزراعة والموارد الطبيعية، ووضع ترتيبات أمنية تمنع الاحتكاكات، وتأسيس آليات مشتركة لحل النزاعات. كما أن التفاوض الناجح يتطلب بناء الثقة عبر خطوات عملية: مثل إنشاء لجان مشتركة، وإقامة مشاريع تنموية على طول الخط الفاصل بين دينكا نقوك والمسيرية، ووضع استراتيجية واضحة للحدود تمنع التداخلات التي تثير التوتر، مع إعادة إعمار منطقة أبيي من نسبة البترول المخصصة لها، ومنح المسيرية نسبة مئوية لإعمار مناطقها الواقعة خارج حدود لاهاي التي أُقرت عام 2009، وتعويض ضحايا دينكا نقوك الذين سقطوا في الهجمات على أراضيهم. بدون هذه العناصر، يظل التفاوض مجرد نصوص بلا حياة. إن توثيق أسماء العشائر التسع لدينكا نقوك في محكمة التحكيم الدائمة ليس مجرد إجراء بيروقراطي، بل هو إدخال القضية في سجل الذاكرة الدولية. هذه الذاكرة تعمل كأداة ضغط مستمرة على الأطراف المتنازعة، وتمنح القضية بعدًا أخلاقيًا وتاريخيًا لا يمكن تجاوزه. في عالم السياسة الدولية، حيث تتغير المصالح والاصطفافات، تبقى الذاكرة الدولية راسخة في شكل وثائق رسمية، تقارير، وأحكام قضائية. وهذا يعني أن أي محاولة لتغيير الواقع على الأرض بالقوة ستواجه مقاومة دبلوماسية وأخلاقية مستندة إلى هذه الذاكرة. كما أن هذه الذاكرة توفر فرصة لدينكا نقوك كي يبنوا سرديتهم التاريخية ويقدموها للأجيال القادمة، وللمجتمع الدولي، بوصفها أساسًا للسلام لا للنزاع. فهي تذكّر الجميع بأن الأرض والهوية ليستا مجرد نزاع لحظي، بل جزء من التاريخ والوجدان الجمعي. رغم وضوح الأساس القانوني ووجود إطار تفاوضي، تبقى التحديات ضخمة ومتعددة الأبعاد. أول هذه التحديات هو غياب مؤسسات محلية قوية وقادرة على إدارة النزاع. فالمؤسسات هي التي تترجم القانون إلى خدمات، وتحوّل التفاوض إلى اتفاقيات قابلة للتنفيذ. التحدي الثاني يتمثل في توازن الموارد: فالأرض وحدها لا تكفي لبناء سلام مستدام، بل يلزم استثمار حقيقي في البنية التحتية، الخدمات الصحية والتعليمية، وبرامج التنمية على طول الحدود. التحدي الثالث هو البعد الأمني، حيث يتطلب الأمر وجود قوة محايدة قادرة على مراقبة الحدود ومنع اندلاع النزاعات. هذه القوة قد تكون محلية، أو هجينة (محلية ودولية)، لكن الأهم أن تحظى بقبول كل الأطراف. التحدي الرابع هو إدماج الشباب والنساء في عمليات السلام والتنمية، حتى لا تبقى القرارات حكرًا على النخب التقليدية. هذا الإدماج هو الضمانة الوحيدة لاستدامة السلام. يمكن النظر إلى مستقبل أبيي من خلال ثلاثة سيناريوهات: السيناريو الإيجابي: تحويل الاعتراف القانوني والذاكرة الدولية إلى برامج تنمية وتعاون حقيقي على طول الخط الفاصل، ما يؤدي إلى سلام مستدام. السيناريو الرمادي: بقاء الوضع على حاله دون حرب شاملة، لكن مع استمرار النزاعات الصغيرة وغياب التنمية. السيناريو السلبي: انهيار الاتفاقات، وانفجار صراع جديد يعيد المنطقة إلى المربع الأول. إن مستقبل أبيي مرتبط بقدرة المجتمع السوداني والدول المعنية على تحويل الاعتراف القانوني والذاكرة الدولية إلى واقع ملموس يضمن السلام والاستقرار. هذا يتطلب إرادة سياسية حقيقية، وإدارة محلية فعالة، واستثمارًا في التنمية والبنية التحتية على طول الخط الفاصل بين دينكا نقوك والمسيرية. إن دينكا نقوك، بعشائرهم التسع، يمثلون نموذجًا حيًا على أن الأرض والهوية والقانون يمكن أن يتلاقوا ليشكلوا أسس السلام، إذا توفرت الإرادة الحقيقية لذلك. في المقابل، على المسيرية وبقية الأطراف أن ينظروا إلى المستقبل بعين المصالح المشتركة لا بعين النزاع التاريخي. الذاكرة الدولية ليست مجرد أداة ضغط، بل فرصة لبناء سردية مشتركة تقوم على الاعتراف والاحترام المتبادل، وهو ما يمكن أن يحوّل أبيي من رمز للنزاع إلى نموذج للتعايش السلمي في بين دولتي السودان والمنطقة.

عن لوال كوال لوال

لوال كوال لوال

شاهد أيضاً

الدولة التي لم تكتمل: جنوب السودان من الثورة إلى الفوضى (1-5)

lualdengchol72@gmail.comبقلم: لوال كوال لوال لم تكن أزمة جنوب السودان نتاج لحظة سياسية معزولة، ولا ثمرة …