ها هي اللحظة تقع. العقوبات التي ظنّت إيران أنها دفنتها في اتفاقٍ دوليّ هش، قبل 10 سنوات، تعود لتُفرض من جديد. الجدار ارتفع، والأوكسيجين ضاق، وطهران تعود إلى قاربها المألوف؛ في بحر العقوبات اللجّي: دولة مطوّقة، تتنفس عبر ثغرات صغيرة، وتراهن على الوقت كما يراهن لاعبٌ على ورقةٍ واحدة في الجولة الأخيرة.
الاتفاق النووي الذي تصوّرت طهران أنه جسرٌ نحو الاعتراف والاندماج، سقط تحت مقصلة الانسحاب الأميركي، لتعود عجلة العداء إلى الدوران بلا هوادة. شيئاً فشيئاً، تخلّت إيران عن التزاماتها، كمن يخلع أثواب الصبر الأخيرة.
ثم جاءت حرب الأيام الاثني عشر في يونيو، حين قصفت إسرائيل المنشآت النووية، لمنع طهران من الاقتراب من العتبة الذرية، ودخلت الطائرات الأميركية المشهد لتزيد اللهيب اشتعالاً، وتُذكّر بأن الصراع لم يعد محلياً، بل جزء من مواجهة كونية.
انقطعت المفاوضات التي بدأت في ربيع أبريل، وعلّقت طهران تعاونها المحدود مع الوكالة الذرية. بدا المشهد وكأن الزمن يعود إلى مربع المواجهة الأولى. لكن في سبتمبر، وفي لحظة براغماتية نادرة، أعلنت إيران والوكالة عن اتفاقٍ جديد، واستأنف المفتشون عملهم، في إشارة إلى أن الجسور لا تزال تُبنى حتى فوق الركام.
الأوروبيون برروا إعادة العقوبات بآليات قانونية لا لبس فيها. لكن طهران رأت في الخطوة خيانة لجهودها، فاتهم وزير خارجيتها عباس عراقجي الأوروبيين بالانحياز، بينما أعاد الرئيس مسعود بزشكيان التذكير بأن بلاده “لم تسع يوماً” لامتلاك القنبلة النووية، مستبعداً حتى الآن الانسحاب من معاهدة حظر الانتشار النووي. استبعادٌ لا يُطمئن، بقدر ما يترك الباب موارباً أمام احتمالات الغد.
الخبراء يرون أن المشهد أكثر تعقيداً من مجرد عقوبات إضافية. علي واعظ، من مجموعة الأزمات الدولية، وصف الأمر بأنه “شدّ حبال” بين القوى الكبرى، حيث ستسعى روسيا والصين إلى تعطيل التنفيذ، بينما تصرّ أوروبا وواشنطن على المضي قدماً. في المقابل، تعتبر كيلسي دافنبورت، مديرة سياسة عدم الانتشار في جمعية مراقبة الأسلحة، أن أثر العقوبات الأممية سيكون محدوداً، إذ لم يعد فوق العقوبات إلا المزيد من العقوبات. لكن الخطر يكمن في “التصعيد الانتقامي”، حيث يغيب الأفق الدبلوماسي، ويحلّ مكانه منطق السلاح والمفاجآت.
هنا يتبدّى السؤال المرعب: ما الذي يمكن أن تفعله إيران وهي مكبلة بالعقوبات؟ هل تلوّح بالانسحاب من معاهدة حظر الانتشار النووي لتفك قيدها الأخير؟ أم تغامر بفتح جبهة مع إسرائيل لتكسر الطوق بحربٍ تفرض حضورها؟ أم تراهن على لعبة التوازن، بين تحدّي الغرب وتثبيت تحالفاتها مع موسكو وبكين، بانتظار أن يتغير المزاج الدولي كما تغيّر من قبل؟
في النهاية، تبدو إيران اليوم كمن يقف على جسرٍ متصدّع فوق هاوية: إن مضت قد تسقط في حربٍ إقليمية كبرى، وإن توقفت قد تخنقها العقوبات حتى الموت. وفي لعبة الأمم، كثيراً ما تتحول الأنفاس الأخيرة إلى صرخةٍ تقلب الموازين.
سودانايل أول صحيفة سودانية رقمية تصدر من الخرطوم