الاقتصاد الأخلاقي: بين الفكرة الطموحة وعقبات الواقع

من بطون كتب
sanhooryazeem@hotmail.com
منبر بنيان مقالات من بطون كتب
مقدمة

لطالما كان الاقتصاد، في جوهره، نشاطًا إنسانيًا يهدف إلى تنظيم الموارد وتوزيعها بما يضمن البقاء والرفاه. غير أن مسيرة الرأسمالية الحديثة أظهرت كيف يمكن أن يتحوّل الاقتصاد إلى ساحة هيمنة واحتكار، حيث يُختزل الإنسان إلى مجرد مستهلك أو عامل في منظومة لا تُعنى سوى بالربح. هنا يبرز السؤال: هل يمكن أن يوجد اقتصاد أخلاقي، يوازن بين الكفاءة الاقتصادية والقيم الإنسانية؟

إن مفهوم الاقتصاد الأخلاقي ليس وليد اللحظة، بل تعود جذوره إلى أفكار كلاسيكية مثل “العدالة في التبادل” عند أرسطو، و”أخلاق السوق” عند الفقهاء المسلمين، و”اليد الخفية” عند آدم سميث، الذي أُسيء فهمه حين اقتُطع من سياق حديثه عن ضرورة اقتران السوق بـ”التعاطف الأخلاقي”.

اليوم، أمام أزمات تتراوح بين فجوة الشمال والجنوب، وانفجار اللامساواة داخل المجتمعات نفسها، وتفاقم آثار التغير المناخي، يُطرح الاقتصاد الأخلاقي كطموح يتجاوز إصلاح السوق ليعيد صياغة أهداف التنمية نفسها.

معنى الاقتصاد الأخلاقي

الاقتصاد الأخلاقي هو نهج يجعل القيمة الإنسانية محور النشاط الاقتصادي، بحيث تصبح العدالة، الكرامة، والاستدامة معايير لا تقل أهمية عن الكفاءة والإنتاجية.
وقد لخّص الاقتصادي أمارتيا سن، الحائز على نوبل (1998)، الفكرة بقوله:
الاقتصاد يجب أن يُقاس بقدرته على توسيع قدرات البشر، لا بزيادة الثروة فقط.

في الفكر الإسلامي، نجد أن مقاصد الشريعة في المال تقوم على “حفظ المال” مقرونًا بحفظ النفس والعدل، ما يعني أن الاقتصاد لا يمكن فصله عن الأخلاق. كما أن تجارب مثل المصارف الإسلامية والوقف كانت محاولات لتجسيد هذا التداخل بين الربح والمسؤولية الاجتماعية.

العقبات أمام الاقتصاد الأخلاقي

  1. هيمنة الرأسمالية العالمية

النظام الرأسمالي الحالي يقوم على حرية السوق غير المقيّدة، حيث يتحكم عدد محدود من الشركات العابرة للقارات في أكثر من 70% من التجارة العالمية (UNCTAD, 2021). هذه البنية تضعف أي محاولة لتقييد السوق بمعايير أخلاقية، إذ يُنظر إلى القيم كتكلفة إضافية لا كرأسمال اجتماعي.

  1. ضعف الأطر المؤسسية

حتى مع وجود مبادرات مثل “المسؤولية الاجتماعية للشركات”، فإن أغلبها يظلّ طوعيًا وشكليًا. ما لم تُقرن بمعايير إلزامية ورقابة دولية، ستظل الأخلاق في الاقتصاد مجرد شعارات.

  1. الفردانية المفرطة

الرأسمالية المعاصرة رسّخت نموذج “المستهلك الفردي” على حساب التضامن المجتمعي. هذه النزعة تعرقل بناء اقتصاد يوازن بين الربح والمسؤولية.

  1. فجوة الشمال والجنوب

بينما تتحدث الدول المتقدمة عن “اقتصاد أخضر” و”مسؤولية اجتماعية”، لا تزال دول الجنوب مثقلة بالديون وبحاجة إلى النمو بأي ثمن، ما يجعل الاعتبارات الأخلاقية ترفًا في نظر صانعي القرار.

مسارات ممكنة نحو اقتصاد أخلاقي

  1. مؤسسات دولية جديدة

يحتاج العالم إلى إصلاح جذري لمؤسسات مثل البنك الدولي ومنظمة التجارة العالمية لتضمين معايير العدالة الاجتماعية والبيئية في الاتفاقيات التجارية والتمويلية.

  1. الاقتصاد الاجتماعي والتضامني

كما أشرنا في مقالات سابقة، التجارب التضامنية (تعاونيات، تمويل أصغر جماعي، صناديق مجتمعية) تشكل أساسًا واقعيًا لترسيخ قيم الاقتصاد الأخلاقي.

  1. الاستثمار الأخلاقي (Ethical Investment)

شهدت أسواق المال نموًا لافتًا في صناديق الاستثمار التي تستبعد الصناعات الضارة (الأسلحة، التبغ، الوقود الأحفوري). وفق تقرير Morningstar (2022)، بلغت أصول الصناديق الأخلاقية أكثر من 2.7 تريليون دولار عالميًا.

  1. التشريع المحلي والحوكمة

يمكن للدول النامية أن تبدأ بتضمين معايير أخلاقية في قوانين العمل، حماية البيئة، والضرائب التصاعدية، بما يحقق توزيعًا أكثر عدلًا للثروة.

  1. الثقافة المجتمعية

لا اقتصاد أخلاقي دون ثقافة عامة تُعيد تعريف النجاح الاقتصادي، بحيث لا يُقاس فقط بالربح الفردي، بل بمقدار الأثر الاجتماعي والبيئي.

إضاءات من الكتب والفكر

أمارتيا سن، “التنمية حرية” (1999): يرى أن التنمية هي توسيع الحريات الحقيقية التي يتمتع بها الناس، لا مجرد زيادة الدخل.

محمد باقر الصدر، “اقتصادنا” (1960): قدّم نموذجًا إسلاميًا يسعى إلى موازنة الملكية الفردية والمصلحة العامة.

جون رولز، “نظرية في العدالة” (1971): يطرح مبدأ “العدالة كإنصاف” حيث يتم تنظيم المؤسسات بما يحقق أكبر قدر من العدالة للفئات الأضعف.

زيجمونت باومان، “الحداثة السائلة” (2000): يحذّر من تحول السوق إلى قوة تذيب كل القيم في بحر من الاستهلاك الفردي.

خاتمة

قد يبدو الاقتصاد الأخلاقي حلمًا بعيد المنال في عالم تُسيطر عليه قوى السوق والاحتكار، لكن التاريخ يثبت أن الأفكار الأخلاقية قادرة على شق طريقها عبر الأزمات. كما أن التحديات العالمية اليوم – من التغير المناخي إلى اللامساواة الصارخة – تجعل من هذا الطموح خيارًا لا بديل عنه.

الجديد الذي يمكن أن نؤسسه هو رؤية ترى في الأخلاق رأسمالاً منتجًا، لا مجرد ترف قيمي. إن بناء اقتصاد أخلاقي يتطلب:

  1. ربط السياسات الاقتصادية بالعدالة الاجتماعية.
  2. تعزيز مبادرات الاقتصاد التضامني والاستثمار الأخلاقي.
  3. إعادة تعريف النجاح الاقتصادي من خلال مؤشرات تشمل العدالة والاستدامة، لا الناتج المحلي وحده.

في النهاية، الاقتصاد الأخلاقي ليس مسألة مثالية طوباوية، بل ضرورة وجودية لعالم يبحث عن توازن بين الربح والإنسان، بين السوق والقيمة، بين الحاضر والمستقبل.

المراجع

Amartya Sen, Development as Freedom, 1999.

John Rawls, A Theory of Justice, 1971.

Zygmunt Bauman, Liquid Modernity, 2000.

محمد باقر الصدر، اقتصادنا، 1960.

UNCTAD, World Investment Report, 2021.

Morningstar, Global Sustainable Fund Flows Report, 2022.

عبد العظيم الريح مدثر

عن عبد العظيم الريح مدثر

عبد العظيم الريح مدثر

شاهد أيضاً

التمويل الأصغر رافعة التنمية في الريف: قراءة في التجربة والآفاق بعد الحرب

من بطون كتبsanhooryazeem@hotmail.comمنبر بنيان مقالات من بطون كتب ونبض الميدان ليس من قبيل المبالغة القول …