القبيلة بين رابطة اجتماعية وسلاح للتمزيق

lualdengchol72@gmail.com
بقلم: لوال كوال لوال
القبيلة في أصلها رابطة اجتماعية طبيعية نشأت قبل الدولة الحديثة، لتوفّر للإنسان الحماية والتكافل والانتماء. فهي العائلة الكبرى التي يجد الفرد فيها سندًا وقت الشدائد، وفضاءً يمده بالهوية والتاريخ والعادات. بهذا المعنى، القبيلة ليست عيبًا ولا خطيئة، بل مكوّن إنساني طبيعي ساهم في بقاء المجتمعات وصمودها عبر العصور. القبيلة هي الذاكرة الحية التي تحفظ للناس لغتهم ومعتقداتهم، وهي المدرسة الأولى التي يتعلّم فيها الطفل قيم التضامن والمروءة والشجاعة. عبرها تتوارث الأجيال المعرفة بالأرض والمواسم، والحرف اليدوية، والقصص الشعبية، والأمثال التي تشكّل وجدان المجتمع. لكن هذه الرابطة، حين تُستغل في السياسة، تتحوّل من نعمة إلى نقمة. في واقع جنوب السودان – بل وفي السودان وإفريقيا عامة – صارت القبيلة أداة في يد النخب السياسية، يُوظَّف ولاؤها لخدمة صراعات السلطة بدلًا من أن تكون جسرًا للتعايش. وهنا يبدأ الانقسام: من رابطة اجتماعية جامعة، إلى سلاح للتمزيق والتفتيت. وما إن تُحشر القبيلة في لعبة السياسة حتى تفقد معناها الأصلي. يصبح الانتماء إليها شرطًا للترقية أو للتوظيف، أو أداة للتعبئة الانتخابية والحربية، وتتحوّل من فضاء للتضامن إلى آلة لإعادة إنتاج الامتيازات أو تبرير العنف. هذا التحوّل ينعكس في بنية الدولة نفسها. فحين تتغلب الانتماءات القبلية على الولاء الوطني، تصبح المؤسسات ضعيفة، ويترسّخ منطق المحاصصة والتمييز. وقد رأينا في تجارب كثيرة أن الدولة التي تُبنى على أسس قبلية متصلبة تبقى رهينة الصراعات الداخلية، لأن كل مجموعة تشعر أنها صاحبة “حق” في السلطة أكبر من الأخرى. وبدل أن يكون الانتماء القبلي عامل تنوع وإغناء، يتحوّل إلى عامل تناحر، ويغدو المواطن البسيط رهينة للزعامات التي تحتكر الحديث باسم “العشيرة” أو “المجموعة الإثنية”. ما يحدث عند استغلال القبيلة سياسيًا هو تشويه جوهرها الإنساني. فبدل أن تظل حاضنة للتضامن، تتحول إلى خندق تُخاض باسمه الحروب. وبدل أن تكون فضاءً للتكافل، تصير أداة للتعبئة وإشعال النزاعات. وبدل أن تجمع الناس على القيم المشتركة، تزرع فيهم الخوف والكراهية تجاه “الآخر”. وهكذا تُختطف الهويات من أصحابها، لتصبح وقودًا لمعارك لا يستفيد منها سوى القلة. المواطن العادي يخسر استقراره وأمنه ولقمة عيشه، بينما الساسة يستثمرون في هذا الخوف ليبقوا في السلطة أو ليصنعوا لأنفسهم مكانة تفاوضية. التجارب المريرة في تاريخنا القريب تؤكد أن الحروب لم تكن صراعًا على القبيلة نفسها، بل صراعًا على السلطة التي تُمارَس باسم القبيلة. ومع ذلك، كان المواطن البسيط هو الضحية: قُرى مدمَّرة، نزوح متكرر، دماء تُسفك باسم الانتماء، بينما يواصل الساسة المتاجرة بالهويات. في مثل هذه الأوضاع، تصبح القبيلة ليست فقط ضحية للاستغلال السياسي، بل شريكًا غير مباشر في إطالة أمد الصراع عندما يُجرّ أفرادها إلى معارك ليست معاركهم في الأصل. الحل ليس في إنكار القبيلة أو محاولة محوها من الوعي الجمعي، فهذا مستحيل وغير عادل. القبيلة جزء من التاريخ الاجتماعي والثقافي للمنطقة، ولا يمكن أن تُمحى بجرة قلم أو قرار سياسي. الحل في تحرير القبيلة من الاستخدام السياسي وإعادتها إلى طبيعتها الأولى: رابطة اجتماعية وثقافية وإنسانية، لا أداة للقتال. القبيلة يمكن أن تكون مصدر قوة إذا وُظفت في بناء السلام، ومصدر ضعف إذا أُقحمت في صراع السلطة. نحتاج إلى إعادة تعريف الانتماء الوطني بحيث يصبح هو المظلة الكبرى التي تحتضن الانتماءات القبلية ولا تلغيها. في المجتمعات المتعددة، يمكن للقبيلة أن تظل إطارًا للتكافل الاجتماعي والثقافي، بينما يقوم الوطن بوظيفة العدالة والمساواة وتكافؤ الفرص. إن الهوية الوطنية لا تتناقض مع الهويات القبلية، لكنها يجب أن تتقدّم عليها، لتكون المعيار الذي يُحتكم إليه عند توزيع السلطة والموارد. هكذا فقط يمكن تحويل التنوع إلى مصدر ثراء لا إلى سبب للتمزيق. إن أخطر ما يمكن أن نفعله هو ترك القبيلة أسيرة لأجندات الساسة. هذا يعني أن تبقى القبيلة رهينة للخوف والعنف والتهميش، وأن تبقى الدولة عاجزة عن القيام بدورها كمظلة جامعة. أما أنبل ما يمكن أن نطمح إليه، فهو تحويل القبيلة إلى جسر للتعايش، ومصدر للفخر بالتنوع، لا خنجرًا يمزّق نسيج الوطن. يتحقق ذلك عبر التعليم الذي يزرع في النشء قيم المواطنة والتعددية، وعبر بناء مؤسسات قوية تضمن الحقوق بغض النظر عن الانتماء القبلي، وعبر سياسات تنموية تقلّص الفقر والتفاوت فلا يجد دعاة الفتنة أرضًا خصبة لنشر خطابهم. على المستوى الثقافي، يمكن إعادة الاعتبار للقبيلة كمخزون للتراث والفنون الشعبية واللغة والأمثال، بدل أن تُختزل في بعدها السياسي. وعبر توثيق هذا التراث في الكتب والبرامج التعليمية والإعلام، يمكن للهوية القبلية أن تصبح جسرًا نحو الفهم المتبادل بين المجموعات المختلفة. كما أن تعزيز الحوار بين القيادات التقليدية ورجال الدين والمثقفين يساعد على إطفاء حرائق النزاعات قبل أن تستعر. القبيلة، إذن، ليست قدَرًا محتوماً للانقسام، بل طاقة اجتماعية يمكن تحويلها في الاتجاه الصحيح. في كل مجتمع بشري، توجد هويات فرعية إلى جانب الهوية الوطنية. الفرق بين الدول المستقرة والدول الهشة هو في كيفية إدارة هذه الهويات. حين تُدار بعقلية شمولية أو إقصائية تنقلب إلى نقمة، وحين تُدار بسياسات عادلة وتشاركية تصبح مصدر استقرار وثراء. إن بناء مشروع وطني يتجاوز عقلية “من أي قبيلة أنت؟” إلى “ماذا يمكن أن نقدمه جميعًا لبناء الوطن؟” هو التحدي الأكبر أمام المجتمعات الخارجة من الصراع. هذا المشروع يحتاج إلى شجاعة فكرية وسياسية، لأنه يمسّ مصالح النخب التي تستفيد من الانقسامات. لكنه الطريق الوحيد لبناء دولة مدنية حديثة يشعر فيها كل فرد أنه مواطن أولاً، ثم ينتمي بعد ذلك إلى قبيلته كمجتمع ثقافي واجتماعي. إذا تحقق ذلك، ستتحوّل القبيلة من أداة للتعبئة والانقسام إلى شريك في بناء الدولة الوطنية. وستصبح الهوية القبلية مكمّلة للهوية الوطنية لا مناقضة لها، وستغدو الدولة أقوى وأكثر استقرارًا لأنها تستند إلى مواطنين أحرار لا إلى جماعات متناحرة. أما إذا فشلنا في ذلك، فسنظل ندور في الحلقة المفرغة نفسها، حيث كل أزمة سياسية تتحول إلى أزمة قبلية، وكل تنافس على الموارد يتحول إلى حرب أهلية. القبيلة بين رابطة اجتماعية وسلاح للتمزيق ليست حتمية تاريخية، بل اختيار سياسي واجتماعي. ونحن – أبناء هذه المجتمعات – من يقرر كيف نُعرّف قبائلنا: هل هي مدرسة للتضامن والتعايش، أم خندق للتمترس والعنف. الخيار الأخير يفضي إلى الدمار، والأول يفتح الطريق لبناء وطن يسع الجميع.

/////////////////////////////

عن لوال كوال لوال

لوال كوال لوال

شاهد أيضاً

الدولة التي لم تكتمل: جنوب السودان من الثورة إلى الفوضى (1-5)

lualdengchol72@gmail.comبقلم: لوال كوال لوال لم تكن أزمة جنوب السودان نتاج لحظة سياسية معزولة، ولا ثمرة …