بينما لم يبقَ في السودان ما يُقاتل من أجله، اختار أبناؤه الخلصاء أن يقاتلوا من أجل الحياة.
من بين الركام، خرجت وجوه شاحبة تحمل الدقيق بدل البنادق، وتبني مدارس في قلب الجحيم.
بهذا التقديم البسيط وُلدت “غرف الطوارئ”… ضمائر صغيرة في بلدٍ ينزف، تداوي الجرح ولا تسأل عمّن أصابه.
في العادة، لا يجود الخراب بأبطال. لكن في هذا البلد الشاهق والمنكوب، خرج أبناؤه الأنقياء من بين الرماد، يحملون الرغيف والكِسرة والضمادات بدل السلاح، وأقاموا في وجه الحرب منظومة مساعداتهم الحيوية التي صارت مع الزمن نبض الحياة في بلد يوشك أن يُمحى.
ليسوا جيشاً نظامياً ولا منظمة بميزانية، بل شبكة من المتطوعين، رُشّحت لنيل جائزة نوبل للسلام، لأنها فعلت ما عجزت عنه الدول والمنظمات: أنقذت الجائعين، وآوت المشردين، وحملت المرضى على الأكتاف في طرقٍ مملوءة بالموت والجثث.
أطباء ومهندسون وطلاب ومحاسبون وعاطلون، قرروا ن يكونوا الدولة حين غابت الدولة. تشكّلت بهم “غرف الطوارئ” المنتشرة في أنحاء السودان كافة، كجزر صغيرة من ضوء. تعمل خارج الأطر الرسمية، وتعتمد على تبرعات محلية وتبرعات المغتربين السودانيين، ودعمٍ دولي متقطع. يعرف أفرادها اللغة والمكان والناس، شجعان، يعرفون الحاجات ويصنعون الفارق.
منذ اليوم الأول للحرب، كانت تلك الغرف القلب النابض للعمل الإنساني في البلاد. تنقذ الجرحى، تصلح شبكات المياه والكهرباء، تبني المدارس، وتوزّع الطعام.
في مدنٍ تحاصرها الجثث وتُقصف فيها المستشفيات، صار الشبان والشابات خطوط الدفاع الأخيرة عن معنى الإنسانية.
الحرب التي اندلعت في أبريل 2023 بين الجيش والدعم السريع، ابتلعت الخرطوم ومدن السودان في دوامة من النار والدم. وحين تهاوت مؤسسات الدولة، نهضت هذه الغرف امتداداً لإرث لجان المقاومة التي واجهت نظام الطاغية البشير وأسقطته، ثم واجهت جائحة كورونا بالتوعية والتطعيم والمجابدات الصحية المُرهقة.
في مدينة الدلنج المحاصرة، مثلاً؛ كانوا يعملون في مجالات مجتمعية قبل نشوب الحرب، ثم أصبحوا غرفة طوارئ تدير المستشفيات، وتؤمّن الطعام، وتوثّق الانتهاكات. ثلاثون متطوعاً يتناوبون الليل والنهار بين اللوجستيات وحماية النساء وتوثيق الجرائم. كانوا المعجزة الإلهية التي جعلت الناس هناك يعيشون بفضلهم، يأكلون بفضلهم، وحتى الكلمة الطيبة التي تسند؛ لا تأتي إلا منهم.
الأمم المتحدة قدّرت أن أكثر من أربعة ملايين سوداني استفادوا من جهود هذه الشبكة في الشهور الأولى من الحرب. وفي ولاية الجزيرة، بعد استعادة الجيش السيطرة عليها، أعادت الغرف أكثر من مليون نازح إلى بيوتهم، وافتتحت مراكز للدعم النفسي وملاجئ للنساء والأطفال.
لكن المجد هنا محفوف بالموت. فالمتطوعون يعيشون تحت رقابة الطرفين، يُتهمون بأنهم امتداد للثورة، وتُلاحقهم الاعتقالات بزعم أنهم عيال البرهان. أصعب ما يمرّون به هو أن يُعاملوا كأعداء لأنهم يحاولون مساعدة الجميع بلا تمييز.
في سبتمبر الماضي، نالت “غرف الطوارئ” جائزة رافتو لحقوق الإنسان تقديراً “لمبادراتها الخلاقة في التضامن والتشارك الاجتماعي”. ورُشحت لاحقاً لجائزة نوبل للسلام التي ذهبت لغيرها.
لكن في الذاكرة الإنسانية، قد تكون الجائزة الرمزية قد حُسمت سلفاً:
إن كان ثمة سلام في السودان، فهو يمرّ من هنا، من يدٍ صغيرة تحمل خبزاً لنازح، ومن قلبٍ أعزل يصرّ على أن الحياة لا تُترك للموت كي يحتكرها.
سودانايل أول صحيفة سودانية رقمية تصدر من الخرطوم