أمير حميده ابوالمك
مستشار حوكمة المؤسسات
golden.wrist.sd@gmail.com
يمر السودان بحرب طاحنة ليست صراعًا عشوائيًا، بل هي تتويج لأزمات بنيوية عميقة يمكن تفسيرها من خلال ( نظريات التغيير السياسي والتنمية) في دول ما بعد الاستعمار. إسقاط هذه النظريات على الواقع يكشف أن الصراع هو تعبير عن أزمة دولة لم تحل إشكالياتها التأسيسية.
- إرث الدولة ما بعد الاستعمار والهوية الوطنية الممزقة
لم تكن الدولة السودانية عند استقلالها كيانًا متماسكًا، بل كانت “دولة بروبريتارية” ارتبطت بشخص الحاكم ونخبة ضيقة. أدى هذا إلى مركزة السلطة والثروة في العاصمة، وخلق “استعمار داخلي” تجاه الأطراف. الحرب الحالية بين الجيش السوداني وقوات الدعم السريع ليست سوى أحدث تجليات هذا الإرث، حيث تتصارع مراكز قوى على موارد الدولة وكيانها، فيما تحولت مناطق مثل دارفور وكردفان إلى ساحات للصراع بين هذه القوى وميليشياتها، مما يعيد إنتاج نفس منطق الإقصاء والهوية الممزقة.
- اقتصاد التبعية وإعادة إنتاج الصراع
ليست الأزمة الاقتصادية سببًا مباشرًا للحرب فحسب، بل هي نتاج هيكلي لـ “التبعية” في النظام الاقتصادي العالمي. اعتماد الاقتصاد السوداني على تصدير مواد خام (ذهب، زراعة) دون قيمة مضافة جعل الثروة سهلة النهب والاحتكار. تحولت الدولة إلى ساحة لـ “النخب المرتبطة بالخارج” التي تتحالف مع مصالح إقليمية ودولية للسيطرة على هذه الموارد. الصراع الحالي، في جزء كبير منه، هو صراع على التحكم في شبكات الاقتصاد غير الرسمي والتهريب والذهب، مما يعيد إنتاج دائرة التبعية واللامساواة.
- الدولة السلطوية-البيروقراطية وتحول الجيش إلى فاعل اقتصادي
يفسر تحليل طبيعة “الدولة السلطوية-البيروقراطية” لماذا تتدخل الجيوش في السياسة. في السودان، لم يكن الجيش مؤسسة محايدة، بل تحول إلى فاعل سياسي واقتصادي رئيسي. هشاشة المؤسسات المدنية وانهيار الأحزاب جعلا المؤسسة العسكرية اللاعب الأقوى. لكن هذا التحول ولّد تناقضات داخلية، حيث نشأت أجهزة أمنية واقتصادية موازية (مثل قوات الدعم السريع) تطورت إلى مليشيا تمتلك إمبراطورية اقتصادية خاصة. الحرب اليوم هي صراع وجود بين هذه الكيانات الاقتصادية-العسكرية التي تخشى على امتيازاتها أكثر مما تخشى على الدولة ذاتها.
- أزمة الشرعية السياسية وانهيار العقد الاجتماعي
لا يمكن فهم الانفجار الحالي دون الرجوع إلى مفهوم “أزمة الشرعية السياسية”. فشلت كل الأنظمة المتعاقبة، بما في ذلك الحكومة الانتقالية التي أعقبت الثورة، في بناء شرعية قائمة على العقد الاجتماعي وتوزيع الموارد بشكل عادل. أدى ذلك إلى “تآكل الأحزاب” وانزياح الولاءات من الدولة الوطنية إلى الزعامات العسكرية والقبلية والجهوية. الثورة الشعبية عام 2019 كانت لحظة تصحيح، لكن عدم قدرة القوى المدنية على إدارة المرحلة الانتقالية وإخضاع العسكر للمساءلة أعاد إنتاج أزمة الشرعية، مفسحًا المجال للعنف كوسيلة وحيدة لتسوية الخلافات.
- المآلات: بين تفكك الدولة وصعوبة بناء الديمقراطية
تقدم نظريات التغيير السياسي سيناريوهات محتملة لمستقبل السودان:
· تفكك الدولة (الدولة الفاشلة): هو السيناريو الأكثر قتامة، حيث تستمر الحرب في تطويل أمد تشظي السيادة الوطنية. قد يؤدي هذا إلى تقسيم السودان فعليًا إلى مناطق نفوذ لقوى متحاربة، أو حتى انفصال أجزاء جديدة، في ظل غياب مشروع وطني جامع.
· استمرار الدولة السلطوية: حتى في حال انتصر أحد الطرفين عسكريًا، فمن المرجح أن تؤسس سلطة جديدة لنظام سلطوي أكثر قمعًا، يعيد إنتاج نفس النموذج البطريركي، معتمدًا على القمع والتحالفات الزبائنية لإخماد أي معارضة.
· الحل التفاوضي والتوطيد البطيء للديمقراطية: هو السيناريو الأصعب، ولكنه الوحيد القادر على كسر الحلقة المفرغة. يتطلب بناء “ديمقراطية ليست مؤسسات فقط، بل بنية اجتماعية كاملة” كما تشير النظريات. هذا يعني ضرورة تحقيق:
· فك الارتباط بين السلطة والثروة: بإخضاع المؤسسات الاقتصادية-العسكرية للسيطرة المدنية.
· بناء عقد اجتماعي جديد: يقوم على المواطنة المتساوية وتقاسم السلطة والثروة بشكل عادل بين جميع الأقاليم.
· تعزيز المجتمع المدني: ليكون رقيبًا على السلطة وقادرًا على تمثيل التطلعات الشعبية.
الخلاصة: الحرب في السودان هي العرض وليس المرض. المرض الحقيقي هو أزمة دولة ما بعد الاستعمار التي فشلت في تجاوز إرثها من التبعية الاقتصادية والمركزية السلطوية والهوية المجزأة. أي حل دائم يجب أن ينطلق من معالجة هذه الجذور، وليس مجرد إيقاف لإطلاق النار، لأن إخماد الصراع دون معالجة بنيانه سيؤدي فقط إلى فترة هدنة قبل انفجار أكبر.
سودانايل أول صحيفة سودانية رقمية تصدر من الخرطوم