من المودودي إلى نيتشه: الدين بين الحنين والتحرّر

دكتور الوليد آدم مادبو

أتتني رسالة ثانية من صديقي الإسلامي المقيم في الولايات المتحدة استحضر فيها هذه المرة رموز التجديد الإسلامي من المودودي إلى إقبال، وجعل من “زهران ممداني” امتدادًا لذلك الإرث الروحي والفكري، بوصفه “سيفًا مسلولًا من باطن العجم”، وصوتًا للمسلمين الخارجين من “ظلمات المهانة والانكسار”، وبشارةً بأن الله قد ينصر هذا الدين بمن يشاء.

غير أنني أرى أن هذه الرؤية، مهما كانت نياتها صادقة، تُعيد إنتاج الانقسام القديم بين الكفر والإيمان، وتغفل التحوّلات العميقة التي يعيشها العالم اليوم. فالمسألة لم تعد معركة عقائدية بقدر ما غدت معركة وجودٍ إنسانيٍّ مهدّد تحت وطأة الرأسمالية المتوحشة والأوليغاركية المنفلتة، وهما القوتان اللتان تُعيدان تشكيل مصير البشرية بمعزل عن الأخلاق أو الإيمان.

لقد أدرك المفكرون الكبار من داخل الدائرة الإسلامية قبل غيرهم خطورة هذا المأزق. فمحمد أركون نبّه إلى أن الفكر الإسلامي يعيش “تحت حصارٍ مزدوج”: حداثةٌ ماديةٌ من الخارج، وأرثوذكسيةٌ فقهيةٌ من الداخل، كِلاهما يصادر العقل الحرّ. أما حسن حنفي فدعا إلى نقل مركز الوعي من الغيب إلى الإنسان، ومن التمجيد إلى النقد، لأن الدين — في جوهره — مشروع تحريرٍ لا وصاية.

في ضوء هذا، يبدو أن ما يُسمّى “الأنظمة الإسلامية” لم تُنتج دولة العدل، بل أنتجت نظُمَ رعايةٍ للفساد مكلَّلةٍ بالآيات. فهي تمارس ذات المادية النيوليبرالية، لكن بقداسةٍ لفظيةٍ أشدّ فحشًا. لقد خلقت طبقاتٍ طفيلية تتغذى من بؤس الفقراء، وأغلقت الفضاء العام باسم الأخلاق، وسلّحت الدين ليحرس امتيازات السلطة. وهكذا تحوّل “الفقه” إلى إدارةٍ للعنف الرمزي، و“الشريعة” إلى اقتصادٍ للنهب المقدّس.

إنّ الأزمة ليست في تراجع التدين، بل في ضمور الإبستيمولوجيا الإسلامية؛ في غياب المنظور المعرفي الذي يمكّننا من تحويل الميراث الروحي العظيم إلى مشروعٍ إنسانيٍّ معاصر. لقد توقّف العقل المسلم عن طرح السؤال الوجودي: كيف نعيش إنسانيتنا؟ واستبدله بالسؤال الأيديولوجي العقيم: من الذي يلينا ومن يعادينا؟

وهنا أجدني أستحضر نيتشه — الفيلسوف الذي طالما أُسيءَ فهمه في ثقافتنا — حين قال: “لقد مات الله، ولكن الذين قتلوه هم المؤمنون الذين عبدوه بلا روح.” لم يكن نيتشه يدعو إلى الكفر، بل إلى إعادة الحياة إلى الإيمان. كان يثور على تحنيط المقدّس، على تحويل الدين إلى جثةٍ تُعبد. إنه ينادي بالإنسان الحرّ الذي يصنع قيمه ويعيد وصل الأرض بالسماء بوعيٍ جديد، لا عبر الخضوع، بل عبر الرؤى المستنيرة الخلاقة.

بهذا المعنى، يصبح واجبنا اليوم لا أن ندافع عن الدين كما لو كان مهدّدًا، بل أن نُنقذه من أيدي المدافعين عنه. أن نعيد إليه طاقته الأولى: طاقة التساؤل، لا الإجابة؛ التحرير، لا الضبط؛ الحبّ، لا الكراهية. الدين الذي لا يحرّر الإنسان من الخوف، هو خوفٌ مقنّعٌ بآيات منتقاة من جعبة الفقهاء.

لقد آن لنا أن نقرأ التراث بعين التاريخ لا بعين العصمة، وأن نكفّ عن النظر إلى العالم من نوافذ العصور الوسطى. فالله، كما قال شريعتي، لا يسكن في القصور ولا في المعابد، بل في قلب الإنسان حين يتحرّر. والدين، كما فهمه أركون وسروش، ليس طريقًا إلى السلطة بل إلى الوعي. والعدل، كما حلم به ساندرز وممداني، لا يتحقّق بالشعارات بل بفهمٍ جديدٍ للعالم والإنسان.

ختامًا، العصر الذي نعيشه ليس عصر الأديان المتنازعة، بل عصر الإنسان المهدّد. والرسالة الكبرى اليوم ليست “نصرة الإسلام على الكفر”، بل نصرة الإنسان على التشييء. فالدين، إن لم يكن أفقًا للتحرّر، يصبح قيدًا آخر في يد المستبدّ. لقد قال نيتشه: “يجب أن تحمل في نفسك فوضى لتلد نجمًا راقصًا.” فلنحتمل فوضى السؤال من أجل نجم العقل، ولنخرج من عبودية الأجوبة الجاهزة إلى أفق الإنسان الحرّ الذي يخلق معناه بوعيٍ ومسؤوليةٍ وكرامة.

‏November 9, 2025

auwaab@gmail.com

عن د. الوليد آدم مادبو

د. الوليد آدم مادبو

شاهد أيضاً

المستبد الصغير: لحظة تنمّره على صاحب الإرث الكبير (2/2)

دكتور الوليد آدم مادبو لا يفوّت علي محمود فرصةً ليثبت ولاءه لأولياء نعمته الكيزان؛ فالرجل …

https://bpbd.sumbarprov.go.id/

https://kweeklampenkopen.nl/type/

mstoto

slot mahjong

https://www.a1future.com/how-we-do-it-better/

slot gacor