السودان تحت المجهر: تشريح الأزمة

أمير حميده ابوالمك
مستشار حوكمة المؤسسات
golden.wrist.sd@gmail.com

💠 دولة على مفترق طرق

بمر السودان، بأحد أخطر فتراته التاريخية، حيث تتصارع الجيوش والمرتزقة على أرضه، ويعاني شعبه من ويلات الحرب والانهيار الاقتصادي. لتحليل هذه الأزمة المتعددة الأبعاد، لا تكفي الروايات الإخبارية السطحية، بل يجب الغوص في الجذور البنيوية والتاريخية. يأتي كتاب عالم السياسة البريطاني بي سي سميث “كيف نفهم سياسات العالم الثالث: نظريات التغيير السياسي والتنمية” كخارطة طريق فكرية لا غنى عنها لفك شفرة تعقيدات الحالة السودانية.

  1. إرث الدولة ما بعد الاستعمار: البنية الهشة لأزمة الحكم

ينطلق سميث من حقيقة أساسية: دول العالم الثالث ليست كتلة واحدة، وأن مساراتها السياسية تعود إلى تاريخ الاستعمار. في السودان، لم يهتم الاستعمار البريطاني-المصري ببناء دولة وطنية متماسكة، بل أدار شمالًا وجنوبًا ككيانات منفصلة، مما زرع بذور الصراع الإقليمي والهوياتي لاحقًا. عند الاستقلال عام 1956، ورثت النخبة السودانية “دولة بروبريتارية” – كما يصفها سميث – حيث أصبحت الدولة ملكًا للحكام وليست تجسيدًا للمؤسسات. تحولت السلطة إلى غنيمة تُقتسم، وليس عقدًا اجتماعيًا يُدار، مما أدى إلى تركيز الثروة والسلطة في يد نخبة ضيقة في العاصمة، وهو ما غذى دورة الصراع المستمرة.

  1. نظريتان لتفسير الأزمة: التبعية والبيروقراطية العسكرية

أ. نظرية التبعية والاستعمار الجديد:
تفسر نظرية التبعية،التي يستعرضها سميث، كيف أن الدول الفقيرة تُبقي الدول الغنية غنية. في السودان، يتجلى هذا في:

· التحكم بالمساعدات والديون: أصبح الاقتصاد السوداني رهينة للمؤسسات المالية الدولية، التي فرضت سياسات تقشفية (“برنامج التصحيح الهيكلي”) في تسعينيات القرن الماضي، مما زاد من الإفقار وساهم في تفكيك الدولة الاجتماعية.
· النخب المرتبطة بالخارج: ارتبطت النخب الحاكمة – سواء كانت عسكرية أو مدنية – بمصالح خارجية (إقليمية ودولية) في مجال النفط والذهب والموانئ، مما حوّل الصراع السياسي الداخلي إلى وكالة لمصالح خارجية متضاربة.
· الأسواق العالمية: جعل الاعتماد على تصدير مواد خام مثل النفط والذهب الاقتصاد السوداني عرضة لتقلبات الأسعار العالمية، مما عمق من أزماته المالية.

ب. الدولة السلطوية-البيروقراطية ودور الجيش:
يحلل سميث طبيعة”الدولة السلطوية-البيروقراطية” ويشرح أسباب التدخل العسكري في السياسة. في السودان، كانت “هشاشة المؤسسات المدنية” و “ضعف الطبقة الوسطى” و “الأزمات الاقتصادية” أرضًا خصبة للانقلابات العسكرية. لم يكن الجيش مجرد حارس للحدود، بل تحول إلى فاعل سياسي واقتصادي رئيسي، يسيطر على قطاعات واسعة من الاقتصاد عبر conglomerates مثل “الدفاع الاقتصادي”. هذا التحول حوّل الجيش من مؤسسة وطنية إلى طبقة حاكمة ذات مصالح مادية ضخمة، تتصارع على حمايتها مع أي قوة مدنية، كما حدث مع “قوات الدعم السريع” التي نشأت كجهاز أمني موازٍ وتحولت إلى مليشيا اقتصادية-عسكرية.

  1. الأحزاب السياسية والزعامات: الولاءات فوق البرامج

يناقش سميث كيف أن الأحزاب في العالم الثالث غالبًا ما تبني الولاءات لا البرامج. في السودان، سيطرت الأحزاب التقليدية (كالأمة والاتحادي) ل decades على المشهد السياسي بقاعدة زبائنية وطائفية، مما أعاق بناء ديمقراطية تعددية حقيقية. حتى الأحزاب الحديثة، مثل تلك التي نشأت بعد انتفاضة 2019، وجدت نفسها عاجزة عن إدارة المرحلة الانتقالية بسبب الانقسامات الداخلية وغياب الرؤية الموحدة، مما أتاح للعسكر استعادة المبادرة.

  1. القومية والانفصال: إشكالية بناء الأمة

يتناول سميث القومية كأداة لبناء الأمة أو تمزيقها، ويشير إلى ظاهرة “الاستعمار الداخلي”. فشلت الحكومات السودانية المتعاقبة، ذات النزعة المركزية والعربية-الإسلامية، في بناء هوية وطنية جامعة، بل مارست سياسات إقصاء تجاه الأطراف، خاصة في الجنوب، دارفور، وجنوب كردفان، والنيل الأزرق. أدى هذا إلى حروب أهلية طاحنة، توجت بانفصال جنوب السودان في 2011، واستمرار نيران الصراع مشتعلة في دارفور اليوم، حيث تتحول الهويات المحلية إلى وقود لحرب الجميع ضد الجميع.

  1. عدم الاستقرار والثورة: أزمة الشرعية المزمنة

يحذر سميث من تفسير الاضطرابات على أنها “عشوائية”، بل يرى أنها نتيجة “أزمة الشرعية السياسية” و “التوقعات الاجتماعية الصاعدة”. انتفاضتا 2019 و 2018 كانتا تعبيرًا صارخًا عن فقدان النظام لشرعيته بعد ثلاثة عقود من الحكم الشمولي. جاءت الثورة لأن الدولة فقدت “قدرتها على الاحتواء والدمج”، وفشلت في تلبية الحد الأدنى من توقعات المواطنين في العيش الكريم والعدالة.

الخاتمة: هل من أفق للديمقراطية والتنمية؟

يخلص سميث في كتابه إلى أن “النمو والتنمية لا ينفصلان عن طبيعة الدولة”، وأن “الديمقراطية ليست شرطًا كافيًا للتنمية، لكنها إطار ضروري لضبط السلطة وتوزيع الموارد”. هذه هي المعادلة الصعبة في السودان. فالديمقراطية، كما يوضح الكتاب، لا تستقر دون “اقتصاد مستقر” و “مجتمع مدني فعّال” و “ثقافة سياسية تشاركية”.

السودان اليوم يعاني من انهيار كامل لهذه الشروط. طريق الخروج من الأزمة يبدأ بإدراك أن المشكلة ليست في “التخلف” كحالة طبيعية، بل هي نتاج تراكمات تاريخية من الاستعمار الخارجي، وهياكل الدولة البطريركية، وسيطرة النخب العسكرية والاقتصادية، وإرث التبعية للاقتصاد العالمي، وأزمة بناء الأمة. أي حل حقيقي يجب أن يعالج هذه الجذور معًا: بناء دولة المؤسسات، فصل الجيش عن السياسة والاقتصاد، تحقيق عدالة توزيعية حقيقية، وإقامة نظام سياسي تعددي يقوم على المواطنة وليس الانتماءات الضيقة. فقط عندها يمكن للسودان أن يكتب فصلًا جديدًا من تاريخه، يتحرر فيه من إرث “العالم الثالث” كما شخّصه سميث، ويشرع في بناء مستقبله على أسس من الحرية والسلام والعدالة.

عن أمير حميده ابو المك

شاهد أيضاً

بابنوسة: قميرة عمري ما بنساها…

بابنوسة: قميرة عمري ما بنساها…مدينة السودان التي حلمت بالحداثة.. فإبتلعتها الحربgolden.wrist.sd@gmail.com بقلم: الابن الحزين/ أمير …