بقلم عمر العمر
نقلا عن العربي الجديد
aloomar@gmail.com
كأنما استيقظ الضميرُ الأخلاقي على إيقاع الفظائع في الفاشر . أو ربما وخزت ممارساتُ العنف الهمجي ذلك الضمير . لكن السؤال المركزي يتعلق بما إذا هذه اليقظة نوبةٌ عابرة ؟ أم للسودانيين القدرة على الإبقاء عليها حالة صحوٍ دائمة ؟ في الخيارين مطلوبٌ من الشعب أخذُ المبادرة بين أسنانه بغية هرس خطايا الماضي وتعبيد دروب المستقبل . من التهور اللاعقلاني مجاراةُ تهويل استيلاء الجنجويد على الفاشر بمثابة الانهيار العظيم ! ربما دفع الحادثُ بما انطوى عليه من توحش مروّعٍ الشعبَ إلى حافة مفترقِ طرقٍ وعرة .لكن التدحرجَ على أيٍ منها لن يهبط بالدولة إلى قاعٍ بلا قرار . فولوجُ شعبٍ حالةً من الفوضى ليس بكارثة . خاصةً إذا حدث ذلك إثر انهيار دولة استبدادية .هذه خلاصة لا تستدعي التوغل في التاريخ والجغرافيا . فعقب انهيار نطام سياد بري الباطش في العام ١٩٩١ تنازع أمراءُ حربٍ على السلطة والثروة بقوة السلاح لكن حياة الصوماليين أضحت أفضل مما كانت عليه تحت وطأة النظام الدكتاتوري المركزي .بالطبع ذلك ليس بانموذجٍ يُقتدى .لكن لا ينبغي لرهاب الفوضى أن يفضي بالسودانيين إلى اليأس من القدرة على النهوض .الاستعصام بالاخلاق أبرز أمضى الأسلحة.
نعم ، مخيالُ الشعب مثقلٌ بجثث عشوائية ودم مسفوك ، قبورٍ جماعية ومشاهدَ تقتيل مع سبق الاصرار . تلك كلفةٌ مؤلمة لكنها ليست الأولى من طرازها المقيت في سيرة الشعب .فكما في تاريخ جميع الشعوب، توجد منحنيات من الانكسارات ، الخيبات والانتصارات . ها هي الحرب في سوريا حصدت أرواح ٦٦٠ ألفاً . اذ لا يحق للسودانيين التباهي بما أنجزوا فليس مطلوب منهم الغرق في الدموع على ما فرّطوا . على ايقاع يقظة الضمير الأخلاقي ينبغي مواجهة أنفسهم بجرأة تتجاوز العتاب إلى المحاسبة بحيث لايفلت كل من ارتكب خطيئة في حق الشعب والوطن . الجريمة ضد الشعب لم تبدأ في الفاشر . مواجهةُ الذات واجبُ اللحظة التاريخية . مطلوب إنجازٌ حرٌ طلق دون المراوغة أو التردد تحت حمى رهاب الفوضى . جدلية السياسة والاخلاق مسألة فلسفية قديمة . كثيرًا ما يحدث فصام ٌ بين الأداء السياسي والمنظومة الأخلاقية . عبارة (لا أخلاق في السياسة ولا سياسة في الأخلاق ) أضحت مثلا يطابق الواقع السوداني،خاصة، والعربي ربما عامة ..
تقسيم الوطن خيارٌ عسيرٌ على القبول بل جريمة سياسية في حق الشعب . هي جريمة أشدُ عُسرًا من تحمل أعبائها و أثقل حمولةً من تبعاتها . لكنه مصطلح متداول في الميديا السودانية على نطاق واسع .ما من طرفٍ سياسي يتمتع بقدرات بسطِ سلطاته على ما يزعم أنه تحت سيادته . ذلك زعم باطلٌ يستند القول به على وهن قوى الطرف المنافس ليس غير . صحيحٌ توجد قوىً عسكرية منتشرة أو متمركزة في مواقع متباينة على الأرض .لكنها لاتعبر عن هيمنة جيوسياسية على الواقع . كذلك توجد هياكل سلطات معلنة لكنها بنيانٌ من ورق . الحديث عن بروز دولة البحر والنهر أو تأسيس دولة الغرب ضربٌ من الهذيان السياسي .أباطرةُ التقسيم لا يجرؤن على المجاهرة به واقعًا . على النقيض هم يجنحون عمدًا إلى التبرؤ منه بقناعة أنه رجسٌ من عمل السياسة . حتى بعد انتصاره في الفاشر عاد حميدتي فأكد تصميمه على الوحدة .كذلك فعل مساعدوه الساسة . صحيح أنه تحدث عن حكومة تأسيس لكنه لم يذكر أو يشر إلى دولة تأسيس . كما لم يصدر عن أيٍ من قادة الحكومة العسكرية في بورسودان ما يكرّس قيام دولة النهر والبحر .
وحدهم المستثمرون في الأزمة الوطنية والحرب الأهلية يحاولون تسويق وهم التقسيم العنصري . هؤلاء هم من يسعى إلى تعطيل يقظة الضمير الأخلاقي ثم إعاقة دولاب العدالة .هم أنفسهم تجارُ انفصال الجنوب .إذ ظلوا يروّجون الانفصال قبل وقوعه خيرًا للشمال .كما ظلوا يتجاهلون عمدا مع سبق الاصرار أماني َّ جون غرنغ الوحدوية في (سودان جديد).بل جاهدوا في وصمه بالسعي إلى الانفصال . التاريخ أثبت أننا فقدنا قائدًا وطنيًا وحدويَ الفكر والممارسة . ياللفاجعة حدث ذلك في لحظة حرجة على وسادة أحلام السلام والوحدة والبناء . قطاعٌ عريض من بنات وأبناء الجنوب أضحى يفترسهم حاليًا الأسى على تغليب الانفصال على الوحدة . مع ذلك لا أحد من تجار التجزئة يريد التخلي عن بيع أوهام الخيبة بدلًا عن تسويق أحلام النهضة .هؤلاء تقلقهم صحوة الضمير الاخلاقي ؛ القوة الحية البناءة للعدل ،السلام والخير والجمال.
الدولة في حالة سيولة بلا أُطر .هي سيولة قابلة للاندياح على رقعة الوطن في ظل اتساع رقعة الاحتراب. كذلك يساهم وهن الإرادة السياسية المعززة بالغيرة الوطنية المفتعلة في فتح الأفق أمام انتشار الفوضى . لسوء قدر السودانيين أنه على قدر ما يعج المشهد باللاعبين في الشأن العام على قدر ما يفتقد الشعب قادة سياسين يتمتعون بالحكمة ، النفوذ و القدرة على الجمع بين المتنافرين زمنُ الانكسارات. من المؤسف كذلك أن عددا غير قليل من الدول في الجوار ، الإقليم بالإضافة إلى قوى كبرى تقيد من حالة السيولة السودانية .بل يشكل استمرار السيولة بيئة خصبة للاستثمار بغية تحقيق مصالح وجني مكاسب . هناك تضافر بين عناصر محلية وقوى خارجية يقلقها أي جهد دءوب يستهدف تطويق تلك السيولة الراهنة و احتواء الفوضى الخراب.لذلك ينبغي ابقاء اليقظة الاخلاقية في حالة استنفار بغية درء مخاطر الجرائم ضد الشعب والوطن. هذا النداء لا يمنح أي نظام استبدادي حق الاحتكار ، قمع المعارضين ،مصادرة حقوقهم السياسية ،دع عنك تجريمهم .فحتى مبدأ(لا جريمة إلا بقانون ولا عقوبة إلا بنص )لا يمنح النظام الاستبدادي تفويضا بتقنين قمع الرأي الآخر).
كم كان الاستاذ ابزاهيم احمد نافذ الرؤى الوطنية عندما قال إبان المساهمة في بتاء مؤتمر الخريجين (ستلعب الأخلاق دورا مهما في تاريخنا السياسي).هذا أحد بناة الحركة الوطنية ثم وزير المالية في حكومة ١٩٥٦ ومؤسس البنك التجاري السوداني ١٩٥٩. أحد آبائي من العقول الأبكار في دولة ١٩٥٦ ، فجئني بمثله اذ جمعت بيننا حسابات الاستقامة الوطنية.
سودانايل أول صحيفة سودانية رقمية تصدر من الخرطوم