حين يكره السوداني نفسه: تأملات في بنية خطاب الكراهية

دكتور الوليد آدم مادبو

ليس خطاب الكراهية في السودان طارئًا على التاريخ، ولا هو انفعالٌ عابر في لحظة احتقانٍ سياسي، بل هو ثمرةُ اختلالٍ بنيويٍّ عميق، تراكبت فيه العلل التربوية والإعلامية، وارتكز على تربةٍ مشوَّشةٍ من الميراث الديني والعنصري. إنه، في جوهره، مرضُ هويةٍ لم تتصالح مع ذاتها، فانعكس صراعها الداخلي عداءً للآخر.

لقد نبّه كبار المفكرين — من حنّة أرندت إلى بيير بورديو وميشيل فوكو — إلى أنّ الخطاب ليس مجرّد أداةٍ للتعبير، بل بنيةٌ من بنيات السلطة، تُنتج الوعي كما تُنتج التراتب. ومن هذا المنظور، لا يكون خطاب الكراهية وصفًا لغويًّا، بل نظامًا اجتماعيًّا لتوزيع الخوف والاحتقار والتبرير الأخلاقي للعنف.

وإذا تأملنا مكتبتنا السودانية، نجدها خاوية إلا من بعض الآراء الانطباعية، رغم أن تاريخنا السياسي والاجتماعي زاخرٌ بتجارب تجعلنا في أمسّ الحاجة إلى دراسته علميًا. أمّا في الساحة الغربية، فقد فاضت الأبحاث في تحليل الكراهية من رواندا إلى البوسنة، ومن خطاب النازية إلى الشعبويات المعاصرة. غير أن خصوصيتنا السودانية تكمن في أنّ الكراهية لم تُولَد من فراغٍ أيديولوجي، بل من ظروفٍ سياسيةٍ واجتماعيةٍ هيّأت لها منابر التعبئة وأسباب الانتشار.

فما إن انفصل الجنوب، حتى انحسر الخطاب العدائي بصورةٍ لافتة، وكأنّ التحريض كان قائمًا بقدر ما كانت المصلحة السياسية تتطلّبه. وحين التقى الشمالي والجنوبي في المنافي والأسواق، استيقظت بينهما ألفةٌ قديمة وحنينٌ غريزي، كحنين المرضع إلى بنيها. انطفأ العداء لا لأننا صرنا أكثر تسامحًا، بل لأن السلطة التي غذّته فقدت مبرّر وجوده.

وكذلك كان الحال في دارفور قبل الإنقاذ؛ فلم يكن الصراع بين العرب والزرقة أكثر من خلافاتٍ موسمية بين المزارع والراعي، حتى جاء النظام الإسلاموي فحوّل تلك التوترات الطبيعية إلى آلةٍ أيديولوجيةٍ للتعبئة والفرز. فأنشأ أذرعًا أمنية تبثّ الخوف وتستثمر في الدم، وجعل من القبيلة بديلاً عن الوطن، ومن العقيدة قناعًا للمصالح. وهكذا، لم تعد الكراهية ناتجةً عن الجهل، بل عن التخطيط الممنهج.

ومتى أردنا دراسة هذا الخطاب، فلا بدّ أن نعود إلى منابع التحريض الأولى. فمقالات الطيب مصطفى — مثلًا — لا تُقرأ بوصفها آراءً سياسيةً عارضة، بل بوصفها نواةَ خطابٍ استراتيجيٍّ يسعى إلى إعادة تشكيل الخريطة الوطنية وفق مشروعٍ جَهَويٍّ عنصريٍّ عرف باسم مثلث حمدي. لم يكن هدفه فصل الجنوب فحسب، بل فصل كل الهامش الثقافي عن المركز، وتحويل التنوع إلى تهديدٍ ينبغي عزله أو إبادته رمزيًا.

فالطيب مصطفى، مثلًا، لم يتعامل مع الغناء أو الزار كظواهر ثقافية تستحق الدراسة، بل كعيوبٍ أخلاقية تستدعي التطهير. وربما كان في خلفيته الشخصية ما يفسّر ذلك التشنّج؛ إذ يُروى أن والده كان يقرع البنقز في جلسات الزار، فحمل الابن عقدة الأب معه وحوّلها إلى نزعة تطهيرٍ اجتماعيٍّ عمياء. لقد حاول أن يتفوّق على ذاته القديمة بإبادة ما يذكّره بها، فهدم مكتبة الإذاعة الغنائية، وطمس إرثًا كان يمكن أن يكون مرآتنا الثقافية الأصدق. لقد جعل من عقدته الشخصية عقدةً وطنيةً كبرى.

لكنّ العبرة ليست في الأشخاص، بل في النسق الذي ينتجهم ويعيد إنتاجهم. فخطاب الكراهية السوداني لا يمكن عزله عن البنية التاريخية التي صنعت وجداننا الجمعي: من السلطنة الزرقاء إلى المهدية إلى الإنقاذ. كلّها فتراتٌ قامت على الثيوقراطية والتفويض الإلهي والاستعلاء الرمزي، فشوّهت صورة الإنسان عن نفسه، وجعلته في قطيعةٍ مع ذاته قبل أن يعادي غيره. ومن هذا الانشطار النفسي نشأت الكراهية، لا كخيارٍ واعٍ بل كآلية دفاعٍ وجودي.

وقد أحسن الدكتور ناصر ساتي في سلسلته “الفونج: شارات الهوية الثقافية” حين دعا إلى قراءة التكوين السوداني قراءةً نقدية، تفكّك هذا الخليط المضطرب بين العروبة والإفريقية، وبين الإسلام الشعبي والدولة الفقهية. من رحم هذا الاضطراب خرج خطاب الكراهية، لا بوصفه نزعة عدوان، بل بوصفه محاولةً يائسة لتعريف الذات من خلال نفي الآخر.

لهذا، فإنّ مقاومتنا للكراهية لا تكون بالوعظ وحده، بل بالبحث والتفكيك. علينا أن نرصد استراتيجيات الخطاب، من أول بيانٍ للأزهري إلى حملات التجييش الرقمي الراهنة، لنفهم كيف صُنعت اللغة لتُقصي، وكيف صيغت المصطلحات لتشرعن العنف وتؤدلج الخوف. فالمجتمع الذي لا يراجع تاريخه اللغوي لا ينجو من تكراره.

ختامًا، ليست الحرب اليوم سوى وجهٍ جديدٍ لكراهيةٍ قديمةٍ يعيد الأخوان المسلمون ومن شايعهم إنتاجها في ثوبٍ جهويّ، ليصنع مبرراتٍ تبقيه في المشهد ولو تمزّق الوطن. إنهم لا يخافون ضياع البلاد بقدر ما يخافون انطفاء خطابهم وضياع مصالحهم.

ختامًا، حين يكره السوداني نفسه، يتحول الوطن إلى ساحة إسقاطٍ متبادل يرى فيها كلُّ طرفٍ في الآخر تجسيدًا لعلّته. ولا سبيل لتجاوز هذه الدائرة المفرغة إلا بمراجعةٍ صادقةٍ للذات، تعيد بناء الوعي الجمعي على أسسٍ من الإنصاف والاعتراف المتبادل، قبل أي حديثٍ عن وحدةٍ أو سلام.

‏November 12, 2025

auwaab@gmail.com

عن د. الوليد آدم مادبو

د. الوليد آدم مادبو

شاهد أيضاً

المستبد الصغير: لحظة تنمّره على صاحب الإرث الكبير (2/2)

دكتور الوليد آدم مادبو لا يفوّت علي محمود فرصةً ليثبت ولاءه لأولياء نعمته الكيزان؛ فالرجل …

https://bpbd.sumbarprov.go.id/

https://kweeklampenkopen.nl/type/

mstoto

slot mahjong

https://www.a1future.com/how-we-do-it-better/

slot gacor