اذا كان الوطن يعني لنا شيئًا .. فعلينا أن ننهض الآن لإنقاذه وإلا

عبد القادر محمد أحمد/ المحامي
aabdoaadvo2019@gmail.com

نتمنى أن تقود التصريحات الأمريكية في أعقاب زيارة ولي العهد السعودي لأمريكا، إلى وقفٍ عاجلٍ للحرب وإنهائها، غير أنّ السلام المستدام سيظل مرهونًا بالتوافق بين أهل السودان أنفسهم، على ميثاقٍ وطني يؤسس لدولة جديدة تقوم على الوحدة والسلام والاستقرار، تحقيقا لشعارات ثورة ديسمبر المجيدة. وهذا لن يكون بالعاطفة وحدها، ولا بتكرار الحديث عن جذور الأزمة؛ بل لا بد أن تكون هذه الحرب المؤلمة قد تركت في داخلنا قناعاتٍ راسخة ومرتكزاتٍ أساسية تُمهّد للتوافق حول مطلوبات ذلك الميثاق.

انطلاقًا من هذا الفهم نستعرض بعض تلك المرتكزات ثم مطلوبات الميثاق:

أولًا: المرتكزات التمهيدية لميثاق أهل السودان للسلام والوحدة:

1- أهمية الوعي بأن أزمتنا وطنية داخلية، وأن التدخلات الخارجية جذورها داخلية. هذا الفهم ضروري لتعزيز الثقة بالنفس ومواجهة الأسباب الداخلية، بما يؤدي إلى وطن موحد وقوي ومحترم، يفرض وجوده بين الدول ويتجاوز، وبحكمة، التدخلات الخارجية غير الحميدة.

2- هناك خطابُ كراهيةٍ يقوم على فهمٍ خاطئ بوجود تهميشٍ لمناطق أو قبائل دون أخرى، فالجميع ضحايا للنخب المتعاقبة، وهي تنحدر من مختلف أنحاء البلاد. لذلك فإن توجيه اللوم أو الكراهية إلى أي فئة أو منطقة بعينها ليس صحيحًا.
إدراكُ هذه الحقيقة ضروريٌّ للتعافي النفسي ونبذ الكراهية، وقبول بعضنا بعضًا، لتكوين شعبٍ واحدٍ قادرٍ على صناعة المستقبل. (نتناول خطاب الكراهية في مقال تفصيلي).

3- ضرورة أن تتكوّن حكومة المرحلة الانتقالية من كفاءات وطنية مستقلة، حتى تتفرغ الأحزاب لبناء نفسها وتنظيم صفوفها، ولضمان إدارة المرحلة بعيدًا عن المناكفات والمهاترات وتبادل الاتهامات التي لا تفيد المواطن، بل تنمّي الكراهية والخلافات وتقود إلى الفشل الحتمي.

وهنا تبرز أهمية عودة شباب الثورة إلى المشهد العام، ليجمعوا كلمتهم، ويؤكدوا وحدتهم، ويثبتوا حضورهم وقدرتهم على المشاركة في إدارة المرحلة الانتقالية.

3- الطريقة الغامضة في إدارة العمليات العسكرية وتعثر التفاوض داخل الجيش والدعم السريع تكشف قلق قياداتهما على مصيرهم بعد السلام، خاصة في ظلّ جرائم الحرب وما سبقها. وتجربة الانتقال السابقة أكدت خطورة إشراك من يواجهون اتهامات جسيمة، وأهمية بناء جيش مهني غير مُسَيَّس. كل ذلك يستلزم تنحّي قادة الجيش والدعم السريع عن مواقعهم السياسية والعسكرية، في إطار تسوية تاريخية تحقق السلام والاستقرار.

4- الإسلاميون جزءٌ من الواقع السياسي والاجتماعي، بكل ما جلبه، ولا يزال يجلبه، هذا الواقع على الوطن من دمار. غير أن الدعوة إلى إقصائهم تتناقض مع التطلّع للتعافي المجتمعي الشامل والاستقرار. وتبقى أمامهم مطلوبات أساسية أهمها: التحوّل إلى حزبٍ مدنيٍّ لا يستغل الدين أو السلاح، ولا يتمسك بما أحدثه من تمكين وما كنزه من مال عام، والقبول بدولة المواطنة وعدم الإفلات من العقاب.

5- أحزابنا بحاجة إلى ممارسة نقدٍ ذاتيٍّ شجاع، ومراجعات فكرية تتجاوز الزعامة الفردية والأيديولوجيات الجامدة، وتبتعد عن التطرف والإقصاء، وتتبنّى دستورًا ديمقراطيًا داخلها، وبرامج وطنية واقعية، وتفسح المجال أمام قيادات شابة قادرة على مواكبة الحداثة.

ثانيًا: مطلوبات ميثاق أهل السودان للسلام والوحدة:
الاقتناع بالمرتكزات التمهيدية أعلاه يمهّد للتوافق حول مطلوبات الميثاق الوطني، وهي:

1- الديمقراطية: وهي من أساسيات دولة المواطنة، لأنها تكفل المساواة في الحقوق والواجبات، فيتحول أي مواطن إلى فاعل سياسي. تنهي صراع السلطة بتداولها سلميا، وتسود المؤسسية وحكم القانون وتكافح الاستبداد والفساد. تحتاج لتجارب تراكمية لترسيخ المؤسسية، وهذا يتطلب أحزابًا ذات أيديولوجية ديمقراطية تمارسها في داخلها وتجعلها ثقافة ووعيًا جمعيًا.

دولُ الإقليم بحاجة إلى فهم خصوصية التركيبة الاجتماعية السودانية التي تتطلب نظامًا سياسيًا أكثر مرونة واستيعابًا للتنوع، وفي المقابل على السودانيين احترامُ طبيعة الأنظمة الإقليمية وما قامت عليه من استقرار وما حققته من تطور. لذلك ينبغي أن يكون الانتقالُ الديمقراطي هادئًا وتدريجيًا، يحافظ على الأمن، ويطمئن الجوار، ويؤسس لشراكات إقليمية متوازنة، ليصبح السودان نموذجًا للتعايش والاستقرار لا مصدرًا للاضطراب.

2- عدالة توزيع السلطة: الديمقراطية وحدها لا تضمن عدالة توزيع السلطة، فقد تحتكرها أغلبية ويستمر التهميش. ولأن السودان بلد واسع ومتعدد الأعراق والموارد، فإن تمركز السلطة والثروة في العاصمة سيظل سببًا للنزاعات، فلا بد من حكمٍ لا مركزي (فيدرالي أو حكمٍ ذاتي موسع) يضمن وحدة الدولة ويسمح للأقاليم/الولايات بإدارة شؤونها المحلية.

3- عدالة توزيع الثروة والتنمية: تمثل الأساس العملي لدولة المواطنة والوحدة؛ فالتفاوت التنموي والتهميش الاقتصادي يولدان الإقصاء والصراع، بينما تضمن التنمية المتوازنة شعور الجميع بالانتماء والمشاركة، وتؤسس لوحدة وطنية طوعية.

4- العلمانية: تعني حرية العقيدة والمساواة، وأن لا يكون الدين أساسًا للحقوق والتشريعات العامة، مع ترك الأحوال الشخصية لكل طائفة وفق قوانينها. ويظل الإسلام دين الأغلبية وله مكانته الروحية والاجتماعية دون توظيف سياسي، مع التوازن بين حرية الفرد واحترام قيم المجتمع السوداني المحافظ عبر قوانين تحترم المشاعر وتحفظ النظام العام.

5- وحدة ومهنية القوات المسلحة: وهذه تتحقق بالكوادر غير المسيسة، وإعادة الضباط الذين أُبعدوا بسبب مواقفهم الوطنية المنحازة للمؤسسة، ومن بلغوا سن المعاش يُستفاد منهم في عملية الإصلاح.

لا بد من إعادة بناء الجيش على أسسٍ مهنية وعقيدةٍ وطنيةٍ جديدة تحمي الوطن والنظام الدستوري الديمقراطي. أما الدعوة لحلّ الجيش بحجة الأخطاء التاريخية أو الانحياز للأنظمة الشمولية، وإن كانت نابعة من معاناة حقيقية، إلا أنها ليست إجراءً وطنيًا عمليًا، لأن تفكيكه يعني تفكيك الدولة. فالجيش، رغم ما شابه من انحرافات وتسييس، يظل هو المؤسسة الوطنية والنواة التي تضمن بقاء الدولة ووحدتها.

6- العدالة الانتقالية والمصالحة الوطنية: العدالة الانتقالية تهدف إلى محاسبة المسؤولين عن الجرائم والانتهاكات الجسيمة أثناء وقبل الحرب، وضمان عدم الإفلات من العقاب، مع حماية حقوق الضحايا.

المصالحة الوطنية لا تسقط المحاسبة، لكنها تهدف لعدم الثار وإلى السعي لتجاوز الانقسامات والعداوات السابقة، وتعويض عادل، وبرامج لإعادة الدمج الاجتماعي، بما يعزز التعافي المجتمعي والوحدة والسلام.

7- إصلاح واستقلال الخدمة المدنية ومؤسسات العدالة: وهذا يظل هدفًا وخطوةً مركزية لبناء دولةٍ عادلةٍ ومستقرة، عبر إعادة هيكلةٍ شاملة، وإزالةٍ منهجيةٍ للتمكين، تُنفَّذ بإجراءاتٍ حكيمةٍ ومنصفة، بعيدًا عن أي روحٍ للظلم أو دوافع للانتقام، وبما يضمن بناء مؤسسات مهنية مستقلة.

باختصار: أعتقد، وبتواضع، أن الميثاق الوطني لبناء الدولة السودانية يحتاج أولًا إلى قناعات تمهيدية، أوردت أهمها، ثم إلى المتطلبات الأساسية المذكورة أعلاه، وجميعها تجاوزت مرحلة الجلوس والتوافق حولها، وقد أصبحت من بديهيات الحرص على حسم الملف السياسي بين السودانيين جميعًا، مدنيين وعسكريين. وتبقى هي العزاء الذي خرجنا به من هذه الحرب المدمرة، فلا وقت للحديث عن مؤتمرات دستورية أو موائد مستديرة.

إنّ القوى الوطنية السودانية في حاجةٍ ماسّةٍ وعاجلةٍ إلى تجميع صفوفها لاجتياز هذه المرحلة المفصلية الحرجة، وذلك بالتأكيد على الميثاق الوطني وحسم ما تبقّى من بنود المرحلة الانتقالية والمستقبلية، حتى لا تجد نفسها أمام حلولٍ مُعلّبة تفرضها سباقات المصالح الدولية.
ونسأل الله التوفيق.

عن عبد القادر محمد أحمد/المحامي

عبد القادر محمد أحمد/المحامي

شاهد أيضاً

القوى المدنية: غياب سببه الخلط بين الاندماج السياسي ووحدة الصف الوطني والتنسيق

عبد القادر محمد أحمد / المحاميaabdoaadvo2019@gmail.com في تصريح لوسائل إعلام عالمية، قال د. حمدوك إن …