تصويب المفاهيم حول الدولة المدنية والتسوية التاريخية وعدم الإقصاء

عبد القادر محمد أحمد / المحامي
aabdoaadvo2019@gmail.com

تلقيت أسئلة وانتقادات لبعض ما ورد في مقالي “إذا كان الوطن يعني لنا شيئًا…”، وقد رأيت ضرورة الرد والتعقيب لتكتمل الفكرة:

▪️ حول سؤال: كيف تُفرض الدولة المدنية على الشعب عبر مقال ودون استفتاء؟
الدولة المدنية ليست فكرتي، بل مطلب تتبنّاه معظم القوى السياسية باعتبارها الحل الجذري لأزمات الحكم والحروب. ودوري، كغيري من المهتمين، هو المساهمة في تشكيل رأي عام داعم لهذا التوجّه.
وفي ظل غياب البرلمان وواقع الحرب والشتات، لا بد من مخرج، لأن المقصود هو إيجاد حل نهائي للحرب الحالية وتجنّب الحروب مستقبلًا ووضع تصور لدولة ما بعد الحرب. لذا يمكن لأي جهة وطنية مستقلة أن تتبنى الفكرة وتعرضها للتوقيع من القوى السياسية والمجتمعية بوصفها ممثلة لقواعدها، إلى حين الاستفتاء البرلماني أو الشعبي المباشر.

▪️ حول سؤال: ماذا لو رفض الشعب مستقبلًا الدولة المدنية؟
الدولة المدنية المنشودة تقوم على ميثاق يضمن إصلاحات تحقق السلام والوحدة والعدالة، والشعب لاحقًا يصادق عليه أو يُنقّحه. ولا يتصور أن يقوم بإلغاء المؤسسات المستقلة أو الجيش الموحد أو الحقوق المتساوية.
وحتى العلمانية ليست أيديولوجيا، بل آلية دستورية للتعايش والوحدة، تلتزم الدولة بموجبها الحياد الكامل تجاه الأديان، وعدم توظيف الدين في الصراع السياسي، مع كفالة حرية المعتقد واحترام جميع الأديان.

▪️ القول بوجود تناقض بين عدم الإفلات من العقاب وإجراء تسوية تاريخية مع العسكر:
واقع الحال أن الدولة الآن يسيطر عليها العسكر بالقوة، يحتمون بالسلطة ومناخ الحرب والتحالف مع الإسلاميين ونزوح الشعب، ويرفضون أي تسوية، ويستمرون في الحرب معرضين المواطن للضياع والدولة للانهيار ومواردها للنهب. لذلك تبرز ضرورة إعفاءٍ محدود أو مؤقت من العقاب، مثل السماح لهم بالمغادرة والعيش في دولة أخرى.
هذا الإجراء لا يعني إفلاتًا مطلقًا من المسؤولية، بل يمثل خيارًا مؤقتًا لاستعادة الدولة ووقف الحرب وحماية الأرواح. وهو إجراء استثنائي، ولذلك يُسمى تسوية تاريخية. وهو بالتأكيد غير مطلوب عند وجود خيارات أخرى لوقف الحرب ومنع انهيار الدولة وتمكين المحاسبة الفورية.

▪️ القول بوجود تناقض بين المحاسبة وعدم الثأر:
المقال فرّق بين جرائم العدالة الانتقالية وجرائم المصالحة الوطنية.
فالأولى تتعلق بالجرائم الكبرى والانتهاكات الجسيمة، و«العدالة الانتقالية» لا تعني التخفيف من المساءلة، لكنها ترتبط بالمرحلة التي تعقب الحروب أو الأنظمة الاستبدادية، فتتطلب منظومة عدلية تضمن كشف الحقيقة، وإصلاح مؤسسات العدالة، وعدم الإفلات من العقاب، وحماية حقوق الضحايا، بما يحقق الانتقال لدولة القانون والسلام المستدام.
أما جرائم المصالحة الوطنية فهي الجرائم غير الجسيمة، أو الفردية غير الممنهجة، وجرائم التعدي على المال العام خارج الفساد المنظم. والمصالحة هنا لا تسقط المساءلة، وإنما تسعى إلى منع الثأر بعدم تحويل إجراءات المساءلة القانونية إلى أداة لتصفية الحسابات الشخصية أو السياسية.
والهدف هو ترميم النسيج الاجتماعي وتجاوز الانقسامات، عبر الاعتراف العلني بالجريمة والاعتذار، وجبر الضرر، والتعويض العادل، ورد المال العام كاملًا، والتعاون في كشف شبكات الفساد، إلى جانب برامج لإعادة الإدماج المجتمعي بما يعزز السلام والوحدة.

▪️ انتقاد المطالبة بعدم إقصاء الإسلاميين:
صحيح أنني قلت بعدم إقصاء الإسلاميين، لكن هناك استعجالًا في الفهم. فالمقال استبعد جميع الإسلاميين والأحزاب من السلطة الانتقالية، واقترح أن تُدار المرحلة بكفاءات مستقلة، مع السماح لهم بالمشاركة في الترتيبات الانتقالية والانتخابات (بشرط التحول إلى حزب مدني، والتخلي عن التمكين والمال العام، والالتزام بدولة المواطنة وعدم الإفلات من العقاب) .
فإذا التزموا بهذه الشروط، فأي مشكلة تبقى؟ وهل الخلاف هو في فتح الباب لعودتهم إلى المجتمع بما يحقق المصالحة والاستقرار؟
صحيح أنهم أجرموا في حق الوطن والشعب، لكن المطلوب هو محاسبتهم على كل الجرائم.
أما القول إنهم “لا يؤمَن جانبهم وسيعودون لما فعلوه”، فهذا إنكار لحقهم في المواطنة ومخاوف غير مبررة. فالمصالحة تقوم على المحاسبة وإزالة التمكين ونزع السلاح، وبناء مؤسسات مستقلة وجيش قومي وانتخابات حرة ودولة قانون كاملة.

▪️ أما الإشادة ببيان الرباعية لأنه أقصى الإسلاميين؛ فالبيان استهدف فقط الجماعات المتطرفة العنيفة المرتبطة بهم، وهو خطاب مألوف في وثائق دعم الانتقال الديمقراطي. لكن في واقع السودان، فإن تبني هذا الاتجاه يقود إلى مواجهات مع عشرات المليشيات المنتشرة في البلاد، ولا تملك حتى أمريكا أدوات حقيقية لحسمها. لذلك لا معنى لاستعجال صدام جديد في وقت نسعى فيه للسلام والاستقرار.

لقد استوقفتني تصريحات مسعد بولس الأخيرة برفض أي دور للإسلاميين واعتبارهم خطًا أحمر، بما يخالف ما ورد في بيان الرباعية باستبعاد المتطرفين فقط.! وحتى بالنسبة لهؤلاء هناك أمثلة لجماعات إسلامية كانت متطرفة ثم عادت إلى رحاب الدولة والقانون بالحوار والمصالحة، مثل: (الجماعات الجهادية في المغرب). فلماذا يصر مسعد بولس على استعجال المواجهة وهو لا يملك ادواتها ؟! لماذا لا نتمسك بالحوار والمصالحة ونحقق نجاحا ولو على مستوى الأفراد.!

صحيح أننا في حاجة ماسة لتدخلات دولية حميدة توقف الحرب، لكن ذلك لا يعفينا من التحلي باليقظة، وضمان أن تدار الجهود الدولية بشفافية تحترم سيادة السودان ووحدته، ولا تلتف حول تطلعات الشعب في استعادة مسار الثورة.

علينا ألا نغفل أن الحل الشافي لأزمتنا يجب أن يكون سودانيًا خالصًا، وألا يكون كل همّنا التفاعل السلبي مع المبادرات الخارجية بلا وعي ولا تبصر. صحيح أن الأزمة أخذت بعدًا دوليًا، وبعضه غير حميد، لكنه يتغذى على الفرقة والكراهية وحالة العجز التي نعيشها.

عن عبد القادر محمد أحمد/المحامي

عبد القادر محمد أحمد/المحامي

شاهد أيضاً

القوى المدنية: غياب سببه الخلط بين الاندماج السياسي ووحدة الصف الوطني والتنسيق

عبد القادر محمد أحمد / المحاميaabdoaadvo2019@gmail.com في تصريح لوسائل إعلام عالمية، قال د. حمدوك إن …